التوقيت الميسر يضع مجانية التعليم العالي في قلب الجدل البرلماني مجددا
عاد الجدل حول مجانية التعليم العالي وتكافؤ الفرص ليطفو بقوة على سطح النقاش البرلماني، في ظل استمرار العمل بقرارات أقرتها عدد من الجامعات العمومية تقضي بحصر الولوج إلى مسالك الماستر ذات التوقيت العادي في فئة الطلبة المتفرغين، مقابل توجيه الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم نحو صيغ “التوقيت الميسّر” المؤدى عنها.
هذا التوجه، أثار خلال الأسابيع الأخيرة موجة متصاعدة من الانتقادات داخل الأوساط الجامعية والنقابية والسياسية، وأعاد إلى الواجهة إشكالية حدود مجانية التعليم العمومي وطبيعة السياسات المعتمدة لضمان المساواة في الولوج إلى المعرفة.
ومع توالي الشكاوى الصادرة عن موظفين وأجراء وجدوا أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما التخلي عن طموحهم الأكاديمي أو تحمّل أعباء مالية إضافية، تصاعدت الأصوات المحذّرة من تكريس منطق “التعليم بمقابل” داخل الجامعة العمومية، وما يحمله ذلك من مخاطر على دورها التاريخي كرافعة للعدالة الاجتماعية.
هذا السياق المشحون كان كافيًا لإعادة الملف إلى قلب النقاش البرلماني، حيث شهد مجلس النواب، خلال جلسة الأسئلة الشفوية، سجالًا حادًا بين وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين ميداوي وعدد من نواب المعارضة، حول طبيعة “التوقيت الميسّر” وحدود انسجامه مع مبدأ المجانية.
ودافع الوزير عن هذا الخيار باعتباره إجراءً تنظيميًا لا جديد فيه، موضحًا أن العمل به يعود إلى ما يقارب عشر سنوات، وأنه كان معمولًا به سابقًا دون إطار تقنيني واضح، مؤكدًا أن تقنينه اليوم لا يمس جوهر مجانية التعليم التي يكفلها الدستور.
وشدد المسؤول الحكومي على أن التكوين في إطار التوقيت الميسّر لا يختلف من حيث المضمون الأكاديمي عن التكوين في التوقيت العادي، وإنما يختلف فقط على مستوى الزمن، مبرزًا أن هذا النمط يستهدف فئة محددة هي الأجراء والموظفون الذين يزاولون مهامهم خلال أوقات العمل الرسمية.
وأكد أن هذا الإجراء، في نظره، لا يشكل إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص، بل يسهم في تنظيم العرض التكويني، والحد من الاكتظاظ، وتحسين نسب التأطير في مسالك الماستر والدكتوراه.
في المقابل، اعتبرت المعارضة البرلمانية أن هذا التبرير لا يصمد أمام الواقع الاجتماعي والاقتصادي، حيث أكدت النائبة البرلمانية مليكة الزخنيني، عن الفريق الاتحادي المعارضة الاشتراكية، أن النقاش يكشف عن وجود تصورين مختلفين لمفهومي المجانية وتكافؤ الفرص.
وأشارت إلى أن استمرار العمل بهذا التوقيت طيلة سنوات دون تقنين يطرح تساؤلات جدية حول مشروعية ممارسات ظلت قائمة خارج الإطار القانوني، معتبرة أن تعميمها اليوم على مؤسسات التعليم العالي يشكل سابقة مثيرة للجدل.
وأضافت أن الطالب، وفق منطق الجامعة العمومية، هو كل من يرغب في متابعة دراسته العليا، بغض النظر عن مساره المهني أو تعثر مسيرته الأكاديمية في مرحلة ما، مؤكدة أن فرض الأداء يحوّل “التوقيت الميسّر” إلى “توقيت معسّر”، ويمس بشكل مباشر مبدأ مجانية التعليم.
وذهبت إلى أبعد من ذلك حين اعتبرت أن التمييز بين طالب يؤدي وطالب لا يؤدي يضرب مبدأ المساواة، ويفرغ الوظيفة التوزيعية للدولة من مضمونها، في وقت تلج فيه الفئات الفقيرة الجامعة العمومية، بينما يتجه الميسورون نحو التعليم الخاص الذي بات يحظى بمعادلة الشهادات وامتيازات متزايدة.
وأشارت الزخنيني إلى وجود أحكام قضائية صادرة عن القضاء الإداري تقضي بعدم مشروعية هذا الإجراء في بعض الحالات، معتبرة أن ربط الأداء بالحد الأدنى للأجور يعكس، في نظرها، نوعًا من الارتباك وغياب رؤية واضحة، خاصة أن فئات واسعة من المجتمع، وإن لم تكن تتقاضى الحد الأدنى للأجور، تعاني صعوبة حقيقية في تحمل تكاليف إضافية مرتبطة بالدراسة.
وفي تعقيبه على هذه الانتقادات، شدد وزير التعليم العالي على أن مجانية التعليم بالنسبة للطلبة المتفرغين “لم تُمس ولن تُمس”، موضحًا أن الإجراء يهم فقط الأجراء والموظفين الذين يرغبون في متابعة دراستهم خارج أوقات العمل.
وأبرز أن الجمع بين العمل والدراسة في نفس الزمن يطرح إشكالات تنظيمية وبيداغوجية، سواء من حيث نسب التأطير أو استغلال الموارد البشرية، ما فرض اعتماد صيغ زمنية خاصة تتطلب تعبئة الأساتذة والأطر الإدارية خارج الزمن الإداري.
وأكد الوزير أن الرسوم المفروضة تندرج في إطار تنظيم الولوج وتدبير الاكتظاظ، ولا ترمي إلى المساس بجوهر المجانية، معتبرًا أن الهدف الأساسي هو تحسين جودة التكوين وضمان شروط بيداغوجية ملائمة لجميع المسجلين.
وفي ظل هذا السجال المتواصل، يبدو أن قضية مجانية التعليم العالي لم تعد مجرد نقاش تقني أو تنظيمي، بل تحولت إلى مرآة تعكس اختيارات الدولة في مجال العدالة الاجتماعية، وحدود مسؤوليتها في ضمان الحق في التعليم كرافعة أساسية للتنمية والإنصاف، وهو نقاش مرشح للاستمرار ما دامت الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالمساواة والحق في الولوج العادل إلى المعرفة دون جواب حاسم.