دواء بـ11 ألف درهم يشعل مواجهة جديدة بين المعارضة ووزارة الصحة

الكاتب : انس شريد

29 ديسمبر 2025 - 11:50
الخط :

يتواصل الجدل داخل الساحة السياسية والبرلمانية المغربية حول وضعية قطاع الأدوية والخدمات الصحية الخاصة، في ظل تصاعد الانتقادات المرتبطة بغلاء أسعار بعض الأدوية الحيوية، وتنامي الاتهامات بوجود اختلالات في تسعير الخدمات الطبية وشبهات تضارب المصالح بين عدد من المختبرات الدوائية والمصحات الخاصة.

هذا النقاش، الذي يكتسي طابعًا اجتماعيًا حساسًا، يعكس حجم التحديات التي تواجه منظومة الصحة الوطنية، خاصة في سياق تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية وضمان الحق الدستوري في العلاج.

وفي هذا الإطار، وجّه خالد السطي، المستشار البرلماني عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، سؤالين كتابيين إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، سلّط من خلالهما الضوء على ما وصفه باستمرار ممارسات غير قانونية داخل بعض المصحات الخاصة، إلى جانب الارتفاع المقلق في أسعار عدد من الأدوية الأساسية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة المواطنين على الولوج إلى العلاج في ظروف تحفظ كرامتهم وتضمن المساواة.

ونبّه السطي إلى أن عددا من المصحات الخاصة ما زال يتجاوز التعريفة المرجعية الوطنية المعتمدة، من خلال فرض مبالغ إضافية على المرضى، خصوصًا في حالات الاستعجال أو العلاجات المكلفة، معتبرا أن هذه السلوكات تضع عبئًا ماليًا ثقيلا على الأسر، وتنسف مبدأ العدالة الصحية.

وأبرز أن العديد من المؤمنين يُجبرون على أداء فروقات مالية كبيرة دون توضيحات كافية أو شفافية في الفوترة، وأحيانًا دون الحصول على فواتير مفصلة، في خرق صريح للقوانين الجاري بها العمل وللالتزامات التعاقدية المبرمة مع الصناديق المدبرة للتأمين الصحي.

وفي هذا السياق، تساءل المستشار البرلماني عن مدى قيام وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بمراقبة هذه المصحات، وحصيلة عمليات المراقبة المنجزة، والإجراءات الزجرية المتخذة أو المرتقب اتخاذها في حق المصحات المخالفة، كما استفسر عن التدابير العملية الكفيلة بحماية المرضى وضمان شفافية الفوترة، وربط احترام التعريفة المرجعية الوطنية باستمرار الترخيص والتعاقد مع أنظمة التغطية الصحية.

وفي موازاة ذلك، أثار السطي قضية الارتفاع الكبير في أسعار بعض الأدوية الحيوية، خاصة تلك الموجهة لعلاج الأمراض المزمنة والسرطانية، محذرًا من أن هذه الأسعار تشكل عائقًا حقيقيًا أمام ولوج فئات واسعة من المواطنين إلى العلاج، لاسيما الأسر ذات الدخل المحدود.

وقدم مثالًا على ذلك بدواء ZYTIGA CO 250MG، الذي يبلغ سعر علبة واحدة تضم 120 قرصًا حوالي 11.451 درهمًا، ما يعني أن تكلفة ثلاث علب تتجاوز 34.000 درهم، وهو دواء حيوي يحتاجه المرضى بشكل منتظم ولمدد طويلة، الأمر الذي يضاعف من الأعباء المالية الملقاة على عاتقهم.

وساءل السطي الوزير الوصي عن المعايير المعتمدة في تحديد أسعار الأدوية، وأسباب الارتفاع الكبير في سعر هذا الدواء بالذات، ومدى مراقبة الوزارة لأسعار الأدوية الأساسية، فضلًا عن الإجراءات المرتقبة لتخفيضها أو إدراجها ضمن لوائح الأدوية المدعمة والقابلة للتعويض.

كما دعا إلى اتخاذ تدابير استعجالية تضمن ولوج المرضى الفعلي والمستمر إلى العلاج، بما ينسجم مع أهداف ورش تعميم الحماية الاجتماعية.

ويأتي هذا التحرك البرلماني في سياق أوسع من النقاشات المتواصلة داخل المؤسسة التشريعية، حيث سبق لعدد من الفرق البرلمانية أن طالبت بتفعيل آلية دستورية لتقصي الحقائق، باعتبارها وسيلة لضمان الشفافية وكشف المعطيات الدقيقة المرتبطة بتدبير القطاع الدوائي وسير الصفقات العمومية المتعلقة به.

وتعززت حدة الجدل بعد تصريحات لرئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عبد الله بوانو، تحدث فيها عن ما اعتبره اختلالات تطال بعض الصفقات العمومية في قطاع الصحة. وأشار إلى صفقة تتعلق باقتناء دواء مستورد من الصين، قال إنها أُبرمت في ظروف تثير الشبهات، وتم تمريرها إلى شركة وصفها بأنها تابعة لعضو بالحكومة، رغم توفر الدواء نفسه لدى مختبر مغربي محلي.

وأضاف بوانو أن هذا الدواء لم يتم استعماله داخل المستشفيات بسبب إشكالات تقنية مرتبطة بطريقة تعليبه، ما دفع الوزارة لاحقًا إلى سحبه من التداول، معتبرًا أن هذه الواقعة تشكل مؤشرًا على وجود خلل في تدبير بعض عمليات الشراء العمومية.

كما وسّع انتقاداته لتشمل بعض المصحات الخاصة، التي اتهمها بالانخراط في ممارسات مضارباتية عبر إعادة بيع أدوية موجهة لعلاج حالات خطيرة بأسعار تفوق بكثير سعر اقتنائها الأصلي، وهو ما أسفر، بحسب تعبيره، عن تحقيق أرباح استثنائية في فترات زمنية وجيزة.

واعتبر بوانو أن هذه الممارسات تسيء إلى صورة القطاع الصحي الخاص وتمس بحقوق المرضى، داعيًا إلى تعزيز الرقابة الحكومية ووضع آليات زجرية صارمة للحد من أي استغلال تجاري غير مشروع يمس بصحة المواطنين.

في المقابل، سبق لوزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، أن دافع عن سلامة الإجراءات المعتمدة في اقتناء الأدوية، مؤكدًا، خلال اجتماع للجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، أن جميع عمليات الشراء تتم في إطار قانوني صارم يخضع لمقتضيات منظومة الصفقات العمومية، مع احترام مبادئ المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص في مختلف مراحلها.

ونفى الوزير صحة الاتهامات المتعلقة بوجود صفقات مشبوهة، معتبرًا أن النقاش العمومي حول هذه القضايا ينبغي أن يكون مؤسسًا على معطيات دقيقة، بعيدًا عن المزايدات والمغالطات، بما يخدم المصلحة العامة ويحافظ على ثقة المواطنين في المؤسسات.

وتبرز المعطيات المتداولة حول القطاع الدوائي حجم التحديات التي تواجه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في مسار إصلاح المنظومة الصحية، خاصة في ظل تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يفرض توفير أدوية بجودة عالية وأسعار مناسبة، وضمان ولوج عادل ومستدام إلى العلاج.

كما يكشف النقاش الدائر داخل البرلمان الحاجة الملحة إلى مقاربة شمولية تقوم على تشديد الرقابة، ومراجعة آليات تسعير الأدوية، وتطوير الصناعة الدوائية الوطنية، بما يقلل من التبعية للاستيراد ويعزز قدرة السوق المحلية على الاستجابة لحاجيات المواطنين بأسعار معقولة، في إطار يوازن بين متطلبات الاستثمار وحماية الحق في الصحة.

آخر الأخبار