110 مليارات درهم لا تسكت الانتقادات.. تدهور القدرة الشرائية يشعل الجدل داخل الأغلبية
يتواصل الجدل السياسي والمؤسساتي حول وضعية القدرة الشرائية للمواطنين في ظل استمرار موجة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، وهو نقاش أخذ بعدًا جديدًا داخل قبة البرلمان، بعدما وجّه فريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، المشارك في الأغلبية الحكومية، انتقادات مباشرة للسياسات الاجتماعية والاقتصادية المعتمدة، محذرًا من تآكل موقع الطبقة الوسطى وتزايد هشاشتها، في مقابل دفاع الحكومة عن حصيلة تدخلاتها، بعدما أكدت أن دعم القدرة الشرائية تجاوز 110 مليارات درهم.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، عبر المستشار عبد السلام اللبار عن قلقه إزاء الوضع الذي آلت إليه الطبقة الوسطى، معتبرًا أنها باتت تعيش ضغطًا غير مسبوق بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.
وأكد أن هذه الفئة، التي تشكل ركيزة التوازن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، لم تعد قادرة على مسايرة متطلبات العيش الكريم، في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار وتزايد الأعباء المرتبطة بالخدمات الأساسية.
وأوضح اللبار أن الطبقة الوسطى، وإن لم تختفِ من المشهد الاجتماعي، إلا أنها أصبحت عاجزة عن الحفاظ على موقعها التقليدي، بسبب تقلص قدرتها الشرائية وارتفاع كلفة التعليم والصحة والسكن، وهي خدمات كانت تشكل في السابق سندًا حقيقيًا لاستقرارها.
واعتبر أن انتقال هذه الخدمات إلى منطق الأداء المرتفع أضعف مناعة هذه الفئة، وجعلها عرضة للهشاشة، خاصة في ظل محدودية آليات الدعم الموجهة إليها بشكل مباشر.
وتوقف المستشار عند وضعية الموظف متوسط الدخل، واصفًا إياها بالأكثر تعقيدًا، بالنظر إلى ما يتحمله من التزامات ضريبية واجتماعية ثابتة، في مقابل دخل لم يعد يواكب نسق الغلاء.
وأكد أن هذه الفئة تجد نفسها محاصرة بين ارتفاع تكاليف المعيشة من جهة، وضيق هامش الادخار والاستقرار من جهة أخرى، ما ينعكس سلبًا على قدرتها على التخطيط لمستقبلها الاجتماعي والاقتصادي.
ودعا المستشار البرلماني إلى مضاعفة الجهود وتعزيز السياسات العمومية الموجهة لهذه الفئة، في انسجام مع التوجيهات الملكية الداعية إلى العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق، مشددًا على أن نجاح أي نموذج تنموي يظل رهينًا بوجود طبقة وسطى قوية، قادرة على لعب دورها في تحريك الاقتصاد وضمان التماسك الاجتماعي.
في المقابل، دافعت نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، عن حصيلة الحكومة في مجال حماية القدرة الشرائية، مؤكدة أن توسيع الطبقة الوسطى وتعزيز استقرارها يشكلان تحديًا بنيويًا للدولة.
وأوضحت أن السياسات العمومية الموجهة لهذه الفئة موجودة وفعالة، وإن لم تحمل دائمًا عنوان “الطبقة الوسطى” بشكل صريح، مشيرة إلى أن عددًا كبيرًا من التدخلات الحكومية يستهدفها بشكل مباشر أو غير مباشر.
وأكدت الوزيرة أن الحكومة خصصت أكثر من 110 مليارات درهم لدعم عدد من المواد والخدمات الأساسية، في إطار الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، معتبرة أن هذا المجهود المالي غير المسبوق استفادت منه بالأساس الفئات المتوسطة، إلى جانب الفئات الهشة.
وأضافت نادية فتاح العلوي أن الاستثمار العمومي وخلق فرص الشغل يمثلان ركيزتين أساسيتين لتعزيز استقرار الطبقة الوسطى، موضحة أن مناصب الشغل المستدامة تظل المدخل الحقيقي لتوسيع هذه الفئة وضمان قدرتها على الصمود.
كما أبرزت أهمية الإصلاح الضريبي، خاصة ما يتعلق بالضريبة على الدخل، معتبرة أن هذا الورش استهدف تصحيح اختلالات كانت تثقل كاهل الفئات المتوسطة، وتحقيق قدر أكبر من الإنصاف الجبائي.
ويعكس هذا النقاش البرلماني حجم التحديات المطروحة أمام السياسات العمومية في ظل سياق اقتصادي ضاغط، كما يبرز في الآن ذاته تباين المقاربات داخل الأغلبية الحكومية نفسها، بين من يدق ناقوس الخطر بشأن تراجع القدرة الشرائية، ومن يؤكد أن التدخلات المعتمدة تشكل قاعدة صلبة لمعالجة الاختلالات على المدى المتوسط والبعيد.