شبهات استيلاء على عقارات وطرق عمومية تضع الدار البيضاء في قلب الجدل

الكاتب : انس شريد

30 ديسمبر 2025 - 10:30
الخط :

يتواصل الجدل بمدينة الدار البيضاء حول ملفات استغلال العقارات والملك العمومي، في ظل معطيات متقاطعة تكشف عن اختلالات قانونية وتدبيرية خطيرة، طالت أراضي جماعية وطرقات عمومية، ووضعت المجالس المنتخبة أمام امتحان حقيقي يتعلق بحماية الملك العام وضمان سيادة القانون.

ففي واحدة من أبرز القضايا التي فجرت نقاشا واسعا داخل مجلس مدينة الدار البيضاء، أعلن نائب عمدة المدينة المكلف بتدبير الممتلكات، الحسين نصر الله، مستجدات ملف نقل عقار مملوك لجماعة الدار البيضاء إلى شركة خاصة، وهو الملف الذي كان وراء سجالات حادة خلال الدورة السابقة، وصلت إلى حد تبادل اتهامات ضمنية بالفساد، مقابل ردود متشنجة من رئاسة المجلس.

ويتعلق هذا الملف ببقعة أرضية تقع بمقاطعة عين السبع، تبلغ مساحتها حوالي 6000 متر مربع، وتوجد بمنطقة استراتيجية قُدّرت قيمتها المالية بنحو 20 مليار سنتيم.

وتفيد المعطيات المتوفرة أن العقار كان عبارة عن مساحة خضراء ظلت دون استغلال لفترة طويلة، قبل أن تتم تسوية وضعيته القانونية وإلحاقه بملكية جماعة الدار البيضاء بشكل رسمي.

غير أن مجلس المدينة فوجئ، قبل أسابيع قليلة، بتغيير ملكية هذه البقعة الأرضية من الجماعة إلى شركة خاصة، دون إشعار أو إخبار أعضاء المجلس، وهو ما دفع عدداً من مستشاري المعارضة إلى توجيه اتهامات مباشرة لنائب العمدة الحسين نصر الله وللعمدة نبيلة الرميلي، معتبرين أن ما جرى يشكل مساساً خطيراً بممتلكات الجماعة.

وخلال أشغال الدورة الاستثنائية لمجلس المدينة، المنعقدة يوم أمس الاثنين، قدم نصر الله توضيحات بخصوص هذا الملف، مؤكداً أن الجديد فيه يتمثل في كون المحافظ العقاري باشر عملية نقل الملكية استناداً إلى حكم صادر عن المحكمة الإدارية.

وأوضح المسؤول الجماعي أنه، بعد الاطلاع على مضمون الحكم القضائي، تبيّن أن الشركة الخاصة رفعت دعوى قضائية في مواجهة المحافظ العقاري، وليس في مواجهة جماعة الدار البيضاء

وأضاف نصر الله أن المحكمة الإدارية أصدرت حكماً يقضي بإلغاء قرار المحافظ العقاري القاضي برفض التشطيب، مبرزاً أن ما يثير الاستغراب هو أن الحكم لم ينص بشكل صريح ونهائي على نقل الملكية من الجماعة إلى الشركة، بل اكتفى بإلغاء قرار إداري.

كما عبر مجلس المدينة، حسب نصر الله عن استغرابه من تخلف المحافظ العقاري عن الجواب على الدعوى خلال المرحلة الابتدائية، وعدم تقدمه بالطعن بالاستئناف في الحكم الصادر، الأمر الذي جعل الحكم يكتسي طابع النهائية ويصبح واجب التنفيذ.

وفي سياق متصل، أعادت مراسلة رسمية وجهها المستشار الجماعي عن حزب التقدم والاشتراكية، مصطفى منظور، إلى والي جهة الدار البيضاء–سطات، تسليط الضوء على مظاهر أخرى لما اعتبره اعتداءً صارخاً على الملك العام، وهذه المرة بمقاطعة الحي الحسني.

وتتعلق المراسلة بشكاية حول قيام منعش عقاري بالترامي على طريق عمومية وتغيير معالمها، على مستوى شارع الليمون بفِرَاح السلام، مروراً بالمجمع السكني الشرف 2، وهو طريق عمومية تم إنجازها منذ سنوات وفقاً لتصميم التهيئة المصادق عليه، وتُعد ممراً حيوياً لساكنة المنطقة.

وبحسب ما ورد في المراسلة، فإن المنعش العقاري شرع، خلال الأسبوع الماضي، في إنجاز مشروع سكني بمحاذاة الطريق، ليُعاين المواطنون، وفق نص الشكاية، إسقاط حدود البناء فوق الرصيف العمومي الأصلي، في خرق سافر لتصميم التهيئة، وترامٍ واضح على الملك العام.

وأضافت المراسلة أن الأشغال شملت اقتلاع الأشجار المغروسة على جانبي الطريق منذ سنوات دون أي سند قانوني أو ترخيص، إلى جانب تغيير مكان الأعمدة الكهربائية العمومية دون موافقة الشركة المكلفة بتدبير الخدمات، وهو ما يشكل خطراً على سلامة المواطنين ومستعملي الطريق.

وأفادت الشكاية بأن هذه الممارسات أدت إلى طمس معالم الطريق العمومية وضم ما يقارب سبعة أمتار من عرضها إلى المشروع السكني، في خرق واضح للقوانين الجاري بها العمل، معتبرة أن هذه الأفعال لا تمس فقط بحقوق الساكنة في الولوج الآمن إلى الطريق العمومية، بل تضرب في العمق مبدأ سيادة القانون، وتطرح علامات استفهام كبرى حول دور المصالح المختصة في المراقبة والزجر وحماية مصالح المواطنين.

وطالبت المراسلة بفتح تحقيق مستعجل في هذه الخروقات، وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة في حق كل من ثبت تورطه، سواء كفاعل أصلي أو شريك أو متستر، مع الدعوة إلى الإيقاف الفوري للأشغال إلى حين تصحيح الوضع، وإرجاع الطريق والملك العام إلى حالتهما الأصلية، ضماناً لسلامة المواطنين وصوناً للملك العمومي من كل أشكال الاستغلال غير المشروع.

وفي خضم هذه التطورات، جدد مصطفى منظور، المستشار عن حزب التقدم والاشتراكية، خلال مداخلته في الدورة الاستثنائية، تطرقه لهذا الملف، مؤكدا أن ما يقع بالحي الحسني يرقى إلى استيلاء صريح على طريق عمومية، متسائلاً بلهجة حادة عن مدى احترام القانون وهيبة الدولة، في إشارة إلى ما وصفه بحالة “سيبة” تهدد الثقة في المؤسسات.

وتعكس هذه القضايا، بمختلف تفاصيلها، حجم الإشكالات المرتبطة بتدبير العقار والملك العمومي بمدينة الدار البيضاء، وتعيد إلى الواجهة مطالب بتعزيز آليات المراقبة والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، في ظل تصاعد شكاوى المواطنين والمنتخبين على حد سواء من ممارسات تسيء إلى التخطيط الحضري وتضرب حقوق الجماعة والساكنة.

آخر الأخبار