600 دواء مفقود بالمستشفيات العمومية يضع وزير الصحة تحت نيران الانتقادات
أعاد ملف اختفاء مئات الأدوية من رفوف المستشفيات العمومية، السياسة الدوائية في المغرب إلى قلب الجدل السياسي والبرلماني، واضعا وزير الصحة والحماية الاجتماعية في مرمى انتقادات حادة، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات هذا الوضع على المرضى، خصوصًا المصابين بالأمراض المزمنة والخطيرة.
فقد تفجرت في الأسابيع الأخيرة موجة قلق واسعة بسبب النقص الحاد المسجل في عدد من الأدوية الأساسية، ما اعتبره فاعلون صحيون وبرلمانيون مؤشرا مقلقا على اختلالات عميقة في منظومة التزويد والتدبير داخل القطاع العمومي.
هذا الموضوع عاد بقوة إلى الواجهة تحت قبة البرلمان، حيث خصص له حيز مهم خلال جلسات مجلس المستشارين، في ظل تزايد شكاوى المواطنين والمهنيين من صعوبة الحصول على أدوية حيوية داخل المستشفيات العمومية.
وفي هذا السياق، دق المستشار البرلماني محمد زيدوح، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، ناقوس الخطر، محذرًا مما وصفه بالخصاص الخطير الذي يطال الأدوية الأساسية، وعلى رأسها أدوية التخدير، وما قد يترتب عنه من تهديد مباشر لسلامة المرضى وتعطيل للخدمات الصحية.
وخلال تعقيبه في الجلسة العمومية المنعقدة زوال يومه الثلاثاء، شدد زيدوح على أن إشكالية توفر الأدوية ليست ملفًا بسيطًا أو عابرًا، بل قضية بنيوية تمس جوهر الحق في العلاج.
وأكد أن الواقع داخل عدد من المستشفيات العمومية يكشف عن غياب أدوية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، مشيرًا إلى أن الأمر لا يقتصر على بعض الأصناف الثانوية، بل يشمل أدوية مرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين وصحتهم.
وأوضح المستشار البرلماني أن لائحة الأدوية غير المتوفرة تضم أدوية داء السكري، وأدوية ارتفاع ضغط الدم، وأدوية الأمراض المزمنة والخطيرة، بما فيها أدوية السرطان، كاشفًا أن عدد الأدوية التي تعرف انقطاعًا أو خصاصًا يتجاوز 600 دواء.
واعتبر أن هذا الرقم يعكس حجم الأزمة التي تعيشها المنظومة الصحية العمومية، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة السياسات المعتمدة في مجال التزويد الدوائي.
وأكد زيدوح أن خطورة هذا الوضع تتضاعف بالنسبة للمرضى المصابين بأمراض مزمنة، الذين يعتمدون بشكل يومي على هذه الأدوية لضمان استقرار وضعهم الصحي، معتبرا أن انقطاعها يمثل مساسًا صريحًا بحقهم الدستوري في العلاج، ويضعهم في مواجهة معاناة إضافية، سواء على المستوى الصحي أو الاجتماعي.
ودعا إلى عدم الاكتفاء بتبرير الأزمة بعوامل تقنية أو ظرفية، مطالبًا بالكشف عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الخصاص، سواء تلك المرتبطة بتدبير القطاع داخليًا أو بالعوامل الخارجية المرتبطة بسوق الدواء.
كما سلط المتحدث ذاته الضوء بشكل خاص على النقص الحاد في أدوية التخدير داخل المستشفيات العمومية، معتبرًا أن هذا الخصاص يشكل خطرًا مباشرًا على حياة المرضى ويعرقل إجراء العمليات الجراحية.
في المقابل، حاول وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، تقديم صورة مغايرة عن تعاطي الحكومة مع هذا الملف، مؤكدًا أن ضمان توافر الأدوية والمنتجات الصحية وجودتها وسلامتها لا يعد مسألة تقنية ظرفية، بل خيارا استراتيجيا يرتبط مباشرة بالأمن الصحي الوطني وبثقة المواطنات والمواطنين في المنظومة الصحية.
وأوضح الوزير، خلال أشغال الجلسة، أن الحكومة جعلت من هذا الورش أولوية مركزية ضمن إصلاح المنظومة الصحية.
وأبرز التهراوي أن إحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، بموجب القانون رقم 10.22، يشكل خطوة مفصلية لتعزيز الحكامة الدوائية وترسيخ السيادة الوطنية في هذا المجال، من خلال تسريع مساطر الترخيص والمراقبة، وضمان جودة وسلامة الأدوية، وتتبع المخزون، ومواكبة الصناعة الوطنية، ودعم الابتكار.
وأكد أن تمكين الوكالة من الاضطلاع بمهامها تم عبر إطلاق ورش رقمي متقدم يشمل رقمنة مساطر الترخيص والتسويق، وتعزيز أنظمة اليقظة الدوائية، بما يسمح بالانتقال إلى تنظيم دوائي حديث، استباقي وشفاف.
وأضاف الوزير أن الوزارة تعمل، بتنسيق مع الوكالة، على تحيين المرسوم المتعلق برخصة التسويق، بهدف تسريع المساطر وضمان استمرارية التزويد مع الحفاظ الصارم على معايير الجودة والسلامة.
كما أعلن عن إحداث مرصد وطني للأدوية في إطار تشاركي، يهدف إلى الرصد المبكر لاختلالات التزويد وتتبع تطور الأسعار ودعم القرار العمومي بمعطيات دقيقة ومحينة.
وفي سياق تعزيز النجاعة اللوجيستيكية، أفاد التهراوي بأن الوزارة باشرت إرساء منصة وطنية موحدة للأدوية والمستلزمات الطبية، تعتمد على مستودعات جهوية مترابطة ونظام معلوماتي موحد لتدبير المخزون والتوزيع، على أن يتم تنزيل هذا المشروع بشكل تدريجي على مدى 18 شهرًا.
وعلى المدى القصير، أكد الوزير إطلاق ورش استعجالي لإعادة تكوين المخزون الاستراتيجي وتحسين مستويات التزويد، كاشفًا أنه تم خلال الشهرين الأخيرين إرسال 6993 منصة تحميل من الأدوية والمستلزمات الطبية، بما يعادل حوالي 560 طنًا، إلى عدد من الجهات.