جدل التهرب الضريبي يطوق عنق الحكومة في آخر ولايتها

الكاتب : انس شريد

31 ديسمبر 2025 - 06:30
الخط :

في وقت تقترب فيه الولاية الحكومية من نهايتها، عاد ملف التهرب الضريبي واختلال العدالة الجبائية ليتصدر النقاش السياسي داخل البرلمان، بعدما فجّرت مداخلات المعارضة بمجلس المستشارين جدلاً متجدداً حول مدى نجاعة الإصلاحات التي تتحدث عنها الحكومة، وحول قدرتها الفعلية على توزيع العبء الضريبي بشكل منصف بين مختلف الفئات والقطاعات.

وخلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، يوم أمس الثلاثاء، وجهت فرق المعارضة انتقادات مباشرة للسياسة الجبائية المعتمدة، محذّرة من استمرار مظاهر التهرب الضريبي واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، في وقت تعاني فيه المالية العمومية من ضغط متزايد بفعل التزامات الدولة الاجتماعية والاقتصادية.

وعبر الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية عن تشكيكه في تقييم الحكومة لحصيلة هذا الورش، حيث أكد المستشار البرلماني أبوبكر اعبيد ط أن العدالة الضريبية تشكل ركيزة أساسية لبناء الثقة بين الدولة والمواطن، وأنها مبدأ دستوري لا يحتمل التأويل أو التجزئة.

غير أنه اعتبر أن واقع المنظومة الجبائية، كما تعكسه التقارير الرسمية، يكشف عن اختلالات بنيوية تمس توزيع العبء الضريبي وفعالية التحصيل، وتضعف قدرة الدولة على تعبئة الموارد الضرورية لتمويل السياسات العمومية.

واعتبر المتحدث أن استمرار الضغط الضريبي الكبير على الأجراء والموظفين، في مقابل اتساع رقعة العشوائية في بعض القطاعات غير المهيكلة، يطرح علامات استفهام حقيقية حول مدى تحقق العدالة الجبائية المنشودة.

في المقابل، أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، في معرض ردها، على أن الحكومة تشتغل في إطار رؤية إصلاحية واضحة تستند إلى تنزيل القانون الإطار المتعلق بالنظام الجبائي، وهو القانون الذي تمت المصادقة عليه في فترات حكومية سابقة، معتبرة أن ما يجري اليوم هو استكمال لمسار إصلاحي تراكمي وليس مجرد إجراءات ظرفية.

وأبرزت الوزيرة أن أولى محطات هذا الإصلاح همّت الضريبة على الشركات، حيث تم اعتماد مسار تدريجي للوصول إلى نسبة موحدة في حدود 20 في المائة، تكريساً لمبدأ العدالة الجبائية، مع الإبقاء على نسب أعلى بالنسبة لقطاعات الأبناك والتأمينات، وكذا الشركات التي يتجاوز ربحها 100 مليون درهم، في إطار منطق التضامن الذي يشكل، حسب تعبيرها، جوهر الفلسفة الجبائية الجديدة

هذا التوجه، تضيف المسؤولة الحكومية، يهدف إلى تحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار وضمان مساهمة عادلة للقطاعات الأكثر ربحية في تمويل الميزانية العامة.

وبشأن الإصلاح إلى الضريبة على القيمة المضافة، أوضحت فتاح أن الحكومة اتخذت قرارات وُصفت بالجريئة، من خلال إعفاء عدد من المواد الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية، من قبيل الأدوية والزبدة والماء والكهرباء، رغم الكلفة المالية التي تحملتها خزينة الدولة.

وفي ما يتعلق بمكافحة التهرب الضريبي، شددت فتاح على أن الأرقام المسجلة في السنوات الأخيرة تؤكد، حسب قولها، نجاح المقاربة المعتمدة، إذ تم تسجيل ارتفاع ملحوظ في المداخيل الجبائية رغم تخفيض نسب عدد من الضرائب، وهو ما عزته إلى توسيع الوعاء الضريبي ودمج فئات كانت تشتغل خارج الإطار القانوني.

وأوضحت أن الحكومة عملت على إيجاد حلول ملائمة لتمكين هذه الفئات من الاندماج في القطاع المهيكل بشفافية، دون فرض ضغط ضريبي خانق.

وأضافت أن الحكومة اعتمدت آليات قانونية جديدة للتصدي لممارسات التهرب، من بينها توسيع نطاق الأداء من المنبع بالنسبة لبعض المعاملات التي كانت تعرف ضعفاً في التصريح، إلى جانب إدخال تعديلات همّت شركات الإيجار والبنوك، فضلاً عن إخضاع المعاملات الكبرى التي تفوق 200 مليون درهم لإجراءات خاصة إلى غاية أفق 2028.

وأقرت في الآن ذاته بوجود فئات لا تزال تحاول الالتفاف على المنظومة، غير أن تطور الأنظمة المعلوماتية وتوظيف التكنولوجيات الحديثة، إلى جانب مجهودات أطر المديرية العامة للضرائب، يتيح، بحسبها، تضييق الخناق على هذه الممارسات وضمان استخلاص الضرائب المستحقة.

وبين خطاب حكومي يؤكد تسجيل نتائج إيجابية ومعارضة ترى أن الإصلاح لا يزال دون انتظارات المواطنين، يظل ملف التهرب الضريبي أحد أكثر الملفات حساسية في آخر محطات الولاية الحكومية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بثقة المغاربة في السياسات العمومية، وبقدرة الدولة على تمويل اختياراتها الاجتماعية في مرحلة تتسم بتحديات اقتصادية وضغوط اجتماعية متزايدة.

آخر الأخبار