من الأجور إلى الحماية الاجتماعية.. خروقات مدونة الشغل تشعل الجدل البرلماني
عاد ملف خروقات مدونة الشغل إلى واجهة النقاش العمومي والبرلماني، في ظل تزايد التقارير والشكاوى التي تفيد باستمرار ممارسات تمس حقوق الأجراء داخل عدد من القطاعات الاقتصادية، رغم الإطار القانوني الواضح الذي ينظم علاقات الشغل ويحدد التزامات المشغلين تجاه العاملات والعمال.
هذا الجدل المتجدد يعكس حجم التحديات التي تواجه سوق الشغل، ويطرح تساؤلات جدية حول فعالية آليات المراقبة والزجر، وقدرة الدولة على ضمان شروط العمل اللائق كما ينص عليها التشريع الوطني والاتفاقيات الدولية المصادق عليها.
وفي هذا السياق، وجه النائب البرلماني مولاي المهدي الفاطمي عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سؤالاً كتابياً إلى وزارة الشغل، نبه فيه إلى ما وصفه بخروقات متكررة لمقتضيات مدونة الشغل داخل عدد من القطاعات، تشمل عدم احترام الحد الأدنى القانوني للأجور، وتجاوز ساعات العمل المسموح بها، وعدم التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب الإخلال بشروط السلامة والصحة المهنية.
واعتبر البرلماني أن هذه الممارسات أفرزت أوضاعاً اجتماعية مقلقة، تكرس هشاشة الشغل وعدم الاستقرار المهني، وتضعف ثقة الأجراء في الإطار القانوني المنظم لعلاقات الشغل.
السؤال البرلماني أعاد إلى الواجهة إشكالية توزيع المسؤوليات بين الدولة والمشغلين، وطرح بإلحاح مسألة القطاعات الأكثر تسجيلاً لهذه الخروقات، وحصيلة تدخلات مفتشيات الشغل في رصدها ومعالجتها، إضافة إلى مدى نجاعة آليات المراقبة والزجر في الحد من هذه الظواهر.
كما توقف عند وضعية الفئات الأكثر عرضة للاستغلال، وعلى رأسها العاملات والعمال الموسميون، متسائلاً عن الإجراءات الخاصة الكفيلة بحمايتهم، والتدابير المزمع اتخاذها لتعزيز احترام مدونة الشغل داخل مختلف القطاعات.
وتزامن هذا النقاش مع إثارة الموضوع داخل البرلمان من زاوية قطاعية، حيث انصب الاهتمام بشكل خاص على قطاع النسيج، باعتباره من أكبر المشغلين لليد العاملة النسوية، وواحداً من الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني.
وطرحت تساؤلات بشأن مدى التزام وحدات هذا القطاع بالقوانين المؤطرة لعلاقات الشغل، خاصة ما يتعلق بحماية النساء العاملات، واحترام الحد الأدنى للأجور، والتقيد بساعات العمل القانونية، وضمان التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، شدد نواب برلمانيون على ضرورة إخضاع وحدات النسيج لمراقبة منتظمة وصارمة، بالنظر إلى طبيعة هذا القطاع وحجمه وتأثيره الاجتماعي، مؤكدين أن أي تساهل في تطبيق القانون يفتح الباب أمام ممارسات تسيء إلى صورة سوق الشغل، وتفاقم أوضاع الهشاشة داخل فئات واسعة من العاملات.
ومن خلال مساءلة كتابية أخرى، نبهت النائبة البرلمانية قلوب فيطح عن حزب الأصالة والمعاصرة إلى الإشكالات المرتبطة بمدى احترام وحدات النسيج لمقتضيات مدونة الشغل، خصوصاً تلك المتعلقة بحماية النساء العاملات.
واعتبرت أن التصريح بالعاملات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يشكل أحد الأعمدة الأساسية للحماية الاجتماعية، وأن أي إخلال بهذا الالتزام القانوني يضع العاملات في وضعية هشاشة مضاعفة، ويقوض الجهود الوطنية الرامية إلى تعميم الحماية الاجتماعية وصون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وفي موازاة التحركات البرلمانية، تصاعدت تساؤلات الرأي العام حول نجاعة جهاز تفتيش الشغل وقدرته على رصد التجاوزات داخل بعض الوحدات الإنتاجية، خاصة في ظل تكرار شكاوى تتعلق بالاستغلال، والطرد التعسفي، وغياب شروط السلامة والكرامة داخل فضاءات العمل.
واعتُبر أن استمرار هذه الممارسات يشكل مساساً صريحاً بمقتضيات مدونة الشغل، ويتناقض مع الالتزامات الوطنية في مجال تعزيز العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما حقوق النساء العاملات.
وفي هذا السياق، عبّرت هيئات مدنية وحقوقية عن قلقها إزاء الأوضاع الاجتماعية داخل بعض الوحدات الصناعية، معتبرة أن ضعف الأجور، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة، يضع شريحة واسعة من العاملات في وضعية هشاشة اقتصادية واجتماعية، ويحد من قدرتهن على تلبية الحاجيات الأساسية.
وأكدت هذه الهيئات أن استمرار مثل هذه الأوضاع يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية عميقة، ويستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة للوقوف على حقيقة الوضع وترتيب الجزاءات اللازمة في حال ثبوت أي تجاوزات.
ومن جهته، عبّر المرصد المغربي لحماية المستهلك عن قلقه إزاء ما تم تداوله بخصوص أوضاع عاملات الخياطة بمدينة طنجة، معتبراً أن المعطيات المتداولة تعكس اختلالات خطيرة في علاقة الشغل داخل بعض الشركات، سواء من حيث مستوى الأجور، التي قيل إنها لا تتجاوز في بعض الحالات 1000 درهم، أو من حيث ظروف العمل والحماية الاجتماعية.
وأكد المرصد في تقريره أن هذه الأجور الضعيفة لا تسمح بتغطية الحاجيات الأساسية، خاصة في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة، ما يجعل العاملات في وضعية هشاشة متفاقمة.
وأشار التقرير إلى أن ما أثير بشأن إنهاء علاقات الشغل في ظروف قاسية يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية، ويستوجب تدخلاً فورياً من الجهات المختصة للتحقيق في مدى احترام المساطر القانونية الجاري بها العمل، وضمان حقوق الأجيرات.
كما شدد على أن التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ليس خياراً يمنحه المشغل متى شاء، بل التزام قانوني صريح، وأن أي تهرب منه يعد خرقاً يستوجب المساءلة والمتابعة.
ودعا المرصد إلى فتح تحقيق عاجل من طرف مفتشية الشغل لفحص أوضاع الاشتغال داخل الوحدات المعنية، والتأكد من مدى احترام التشريعات الاجتماعية، وترتيب الجزاءات القانونية في حال ثبوت أي مخالفات، إلى جانب مطالبة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالتحقق من وضعية التصريح بالعاملات وضمان تمتيعهن بكافة الحقوق المرتبطة بالحماية الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، شددت فعاليات حقوقية ومهنية على ضرورة التصدي لما وصفته بمظاهر الاستغلال الاقتصادي و”الحكرة” التي لا تزال تطفو على سطح قطاع النسيج، رغم كونه رافعة أساسية للتشغيل والصادرات الوطنية.
واعتبرت أن استمرار هذه الاختلالات يسيء إلى صورة المملكة، ويتعارض مع التوجهات الرسمية الرامية إلى إرساء نموذج تنموي جديد يقوم على الإنصاف والعدالة الاجتماعية وصون كرامة المواطن، مؤكدة أن احترام الحد الأدنى للأجور وتحسين شروط العمل يشكلان مدخلاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الثقة في سوق الشغل.