المعارضة ترصد اختلالات بنيوية في شركات المناولة الصحية
يشهد القطاع الصحي الوطني في السنوات الأخيرة تحديات متراكمة تكشف عن عمق الإشكالات البنيوية التي تعيق تحقيق الأهداف المعلنة لإصلاح المنظومة الصحية، رغم تعدد البرامج والاستراتيجيات المعتمدة.
فبين الضغط المتزايد على المستشفيات العمومية، ونقص الموارد البشرية المؤهلة، وضعف شروط العمل داخل عدد من المرافق الصحية، تتفاقم معاناة مهنيي الصحة والمرتفقين على حد سواء.
هذه الإكراهات تطرح أسئلة جدية حول مدى نجاعة نماذج التدبير المعتمدة، وحول قدرة السياسات العمومية على ضمان خدمة صحية عمومية تحترم معايير الجودة والإنصاف وتكافؤ الفرص بين المواطنين.
وفي خضم هذا الوضع، برزت إشكالية اللجوء الواسع إلى شركات المناولة في تدبير عدد من الخدمات الحيوية داخل المؤسسات الصحية، باعتبارها خياراً تنظيمياً يفترض أن يساهم في تحسين الأداء وتخفيف العبء الإداري عن الإدارة الصحية.
في سياق النقاش المتواصل حول إصلاح المنظومة الصحية الوطنية وما يرافقه من رهانات كبرى مرتبطة بجودة الخدمات وتثمين الرأسمال البشري، وجهت المعارضة البرلمانية انتقادات حادة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بسبب ما اعتبرته اختلالات جسيمة تطبع تدبير شركات المناولة المكلفة بقطاع الاستقبال والكتابة الطبية داخل المؤسسات الصحية العمومية.
وفي هذا الإطار، أثارت سلوى البردعي، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ملف موظفي الاستقبال الرقمي والكتابة الطبية العاملين بالمستشفيات والمراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بجهة طنجة تطوان الحسيمة، والذين يزاولون مهامهم عبر شركة الوساطة، معتبرة أن وضعيتهم المهنية والاجتماعية تطرح أكثر من علامة استفهام في ظل ورش إصلاحي يفترض أن يقوم على الإنصاف والاستقرار الوظيفي.
وأوضحت النائبة البرلمانية، في سؤال كتابي وجهته إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أنها توصلت بمعطيات متطابقة من عدد من المعنيين بالأمر، تفيد بأن هذه الفئة، رغم ما تتحمله من مسؤوليات دقيقة وحساسة تتعلق باستقبال المرضى، وتوجيههم، وتدبير المعطيات الشخصية والطبية، تعاني من أوضاع وصفتها بالمجحفة، تمس كرامتها وحقوقها الأساسية المكفولة قانونا.
وبحسب المعطيات ذاتها، فإن من أبرز الاختلالات المسجلة التأخر المتكرر في صرف المستحقات المالية الشهرية، وهي مستحقات لا تتجاوز في الأصل الحد الأدنى القانوني للأجور، ما يفاقم من الهشاشة الاجتماعية للأجراء ويؤثر بشكل مباشر على استقرارهم المعيشي.
كما أشارت البردعي إلى حرمان العاملين من حقهم في العطلة السنوية المؤدى عنها، رغم مرور أزيد من سنة على مباشرتهم العمل، مع فرض إجراءات وصفت بغير القانونية، من قبيل الاكتفاء بوثائق تعترف بالاستفادة المالية الشكلية دون تمكينهم فعليا من الإجازة.
ولم تقف الاختلالات عند هذا الحد، إذ سجلت النائبة البرلمانية صعوبات كبيرة، بل واستحالة في بعض الحالات، في حصول الأجراء على وثائقهم المهنية الأساسية، مثل عقود العمل، وشهادات العمل، ووثائق التصريح بالأجور، إضافة إلى عراقيل مرتبطة بطلبات الإجازة، وهو ما يضعهم في وضعية قانونية هشة ويجعلهم عرضة لمختلف أشكال التعسف.
كما نبهت إلى وجود فارق مقلق بين الأجور المصرح بها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتلك التي يتوصل بها الأجراء فعليا، معتبرة أن هذا المعطى يثير شكوكا جدية حول مدى احترام القوانين الاجتماعية الجاري بها العمل.
وسجلت، في السياق ذاته، غياب أي تواصل أو تأطير إداري من طرف الشركة المكلفة بالمناولة، مقابل تسجيل ممارسات تضييق وضغط في حق الأجراء الذين عبروا عن احتجاجهم أو طرحوا استفسارات مشروعة بخصوص وضعيتهم المهنية.
وشددت البردعي على أن هذه الأوضاع تتناقض بشكل صريح مع مقتضيات مدونة الشغل، ومع المبادئ المعلنة لإصلاح المنظومة الصحية، التي يفترض أن ترتكز على العدالة الاجتماعية وتحفيز الموارد البشرية، خاصة وأن المعنيين بالأمر من ذوي الشهادات العليا ويشكلون حلقة أساسية في تحسين جودة الاستقبال والخدمات الصحية المقدمة للمواطنين داخل المرافق العمومية.
وانطلاقا من هذه المعطيات، تساءلت النائبة البرلمانية عن مدى علم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بحجم الاختلالات التي تشوب تدبير شركات المناولة المكلفة بقطاع حيوي وحساس كقطاع الاستقبال والكتابة الطبية، كما استفسرت عن الإجراءات المستعجلة التي تعتزم الوزارة اتخاذها من أجل حماية الحقوق القانونية والاجتماعية لهذه الفئة، وضمان احترام القوانين والالتزامات الاجتماعية داخل المؤسسات الصحية العمومية.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة الجدل المتجدد حول لجوء القطاعات العمومية إلى شركات المناولة، وما يرافق ذلك من تحديات تتعلق بمراقبة شروط العمل، وضمان كرامة الأجراء، وتحقيق التوازن بين النجاعة التدبيرية واحترام الحقوق الاجتماعية، في وقت يرفع فيه شعار إصلاح المنظومة الصحية كأحد الأوراش الاستراتيجية الكبرى للدولة.