تحذيرات دولية وتحرك برلماني.. هل تهدد المبيدات والأسمدة الكيميائية سلامة الفلاحة المغربية؟
يشكل الاعتماد المتزايد على المواد الكيميائية في الإنتاج الفلاحي أحد أبرز التحديات البيئية والصحية التي تواجه القطاع الزراعي في المغرب، في ظل تحذيرات علمية متنامية من انعكاساته السلبية على التربة والفرشة المائية والتوازنات البيئية، فضلا عن مخاطره المحتملة على صحة الإنسان على المدى المتوسط والبعيد.
هذا الواقع أعاد إلى الواجهة نقاشا متجددا حول حدود النموذج الفلاحي المعتمد، ومدى قدرته على التوفيق بين متطلبات الإنتاج وضمان السلامة الصحية وحماية الموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة حنان أتركين سؤالا شفويا إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، دقت من خلاله ناقوس الخطر بشأن الاستعمال المكثف للأسمدة والمبيدات الكيميائية داخل الضيعات الفلاحية، وما يترتب عنه من آثار سلبية متراكمة على صحة المواطنين والبيئة.
وأكدت أتركين أن العديد من الدراسات العلمية أثبتت وجود علاقة مباشرة بين الاستخدام المفرط لهذه المواد وظهور أمراض مزمنة واضطرابات بيئية تمس جودة التربة والمياه والتنوع البيولوجي.
وشددت النائبة البرلمانية في معرض سؤالها على أن الأسمدة البيولوجية والبدائل الطبيعية لم تعد مجرد خيار تقني محدود، بل أصبحت تمثل توجها استراتيجيا وحلا مستداما قادرا على الإسهام في حماية البيئة وتحسين جودة المنتوجات الفلاحية، مع ضمان فلاحة صحية تستجيب لمتطلبات الأمن الغذائي وتحافظ في الوقت ذاته على صحة المستهلكين.
كما تساءلت النائبة البرلمانية عن الإجراءات التي تعتزم الوزارة الوصية اتخاذها لتشجيع البحث العلمي في هذا المجال وتطوير صناعة الأسمدة البيولوجية الوطنية، إلى جانب التدابير العملية الرامية إلى الحد من استعمال الأسمدة والمبيدات الكيميائية المعروفة بأضرارها الصحية والبيئية.
وطالبت أتركين أيضا بالكشف عن برامج التحسيس والتكوين الموجهة للفلاحين، قصد تمكينهم من اعتماد ممارسات فلاحية مستدامة وصديقة للبيئة، مع توضيح حجم الدعم والمواكبة المقدمة، خاصة لفائدة الفلاحين الصغار، من أجل تسهيل انتقالهم نحو نمط فلاحي يوازن بين متطلبات الإنتاج والحفاظ على الموارد الطبيعية.
بالتوازي مع هذا النقاش، يشهد ملف استيراد المبيدات الزراعية في المغرب تصاعدا ملحوظا في حدة الجدل، على خلفية تحذيرات دولية متزايدة من مخاطر صحية وبيئية جسيمة مرتبطة بتداول مواد كيميائية يُحظر استعمالها داخل الاتحاد الأوروبي، في حين يُسمح بتصديرها إلى دول أخرى من بينها المملكة.
وقد أعاد هذا المعطى فتح نقاش واسع حول مدى صلابة منظومة المراقبة الوطنية، وحول المسؤوليات المتداخلة بين الجهات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين في ضمان سلامة الإنسان والبيئة.
وتستند هذه التحذيرات إلى معطيات كشفت عنها تقارير دولية متخصصة في تتبع تجارة المواد الكيميائية الزراعية، نبهت إلى استمرار تدفق مبيدات عالية السمية إلى أسواق دول نامية، رغم ثبوت مخاطرها على الصحة العامة والتوازنات البيئية.
وحسب تقرير مشترك صادر عن منظمتي “Public Eye” و“Unearthed”، فإن دول الاتحاد الأوروبي وشركات أوروبية واصلت خلال سنة 2024 تصدير ما يقارب 122 ألف طن من المبيدات المصنفة ضمن المواد المحظورة، إلى عشرات الدول عبر العالم، من بينها المغرب.
وأبرز التقرير أن المغرب يوجد ضمن قائمة الدول التي تستورد كميات مهمة من هذه المبيدات، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول مساطر الترخيص المعتمدة، وكيفية مراقبة سلاسل التوريد والتوزيع، ومدى التزام المستوردين بالمعايير الوطنية والدولية المتعلقة بالسلامة الصحية.
كما أعاد إلى الواجهة النقاش حول الفجوة القائمة بين القوانين الأوروبية الصارمة التي تمنع استعمال هذه المواد داخل حدود الاتحاد، والسياسات التجارية التي تتيح تصديرها إلى الخارج، بما يعكس ازدواجية في المعايير تثير انتقادات متزايدة.
ولم يقتصر التفاعل مع هذه التطورات على المستوى الدولي، بل امتد إلى الساحة البرلمانية الوطنية، حيث بادرت النائبة نعيمة الفتحاوي، عضو المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، إلى توجيه سؤال كتابي إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، استفسرت فيه عن التدابير المتخذة من أجل حماية الأمن الصحي والبيئي الوطني من مخاطر هذه المبيدات.
وطالبت الفتحاوي بتوضيح آليات المراقبة المعتمدة للحد من دخول المواد المحظورة أو الخطيرة إلى السوق المغربية، وضمان سلامة المنتوجات الفلاحية الموجهة للاستهلاك الداخلي، خاصة في ظل تنامي المخاوف من انعكاسات استعمال مبيدات مصنفة كمسرطنة أو شديدة السمية على صحة الفلاحين والمستهلكين على حد سواء.
ويأتي هذا التحرك البرلماني في وقت يحذر فيه مختصون في المجال البيئي من أن التأثيرات السلبية لهذه المبيدات لا تقتصر على المستهلك النهائي فقط، بل تطال أيضا الفلاحين والعاملين في القطاع الزراعي، إضافة إلى انعكاساتها طويلة الأمد على التربة والمياه الجوفية والتنوع البيولوجي، بما يهدد استدامة المنظومة الفلاحية برمتها.
وفي المقابل، طالبت المعارضة البرلمانية في أكثر من مناسبة بتعزيز الشفافية في هذا الملف، ونشر لوائح واضحة ومحيّنة للمبيدات المرخصة والممنوعة، مع تشديد العقوبات في حق المخالفين، وتعزيز المراقبة القبلية والبعدية لسلاسل الاستيراد والتوزيع.
وفي ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى رد وزارة الفلاحة على التساؤلات البرلمانية، وإلى ما ستسفر عنه النقاشات المرتقبة بشأن تعزيز آليات المراقبة والتشديد على شروط الاستيراد، بما يضمن حماية صحة المواطنين والحفاظ على البيئة.
كما يُنتظر أن يفتح هذا الملف نقاشا أوسع حول ضرورة مراجعة السياسات الدولية الخاصة بتجارة المواد الكيميائية الزراعية، بما يضع حدا لازدواجية المعايير ويكرس مبدأ المسؤولية المشتركة في مواجهة المخاطر العابرة للحدود، ويؤسس لنموذج فلاحي أكثر أمانا واستدامة.