حديقة الحيوانات بعين السبع.. ذوو الاحتياجات الخاصة بين حلم الترفيه وواقع الإقصاء - الجريدة 24

حديقة الحيوانات بعين السبع.. ذوو الاحتياجات الخاصة بين حلم الترفيه وواقع الإقصاء

الكاتب : انس شريد

18 January 2026 - 08:30
الخط :

منذ إعادة افتتاح حديقة الحيوانات بعين السبع في مدينة الدار البيضاء، عاد هذا المرفق العمومي إلى واجهة النقاش الاجتماعي والحقوقي، لكن ليس من زاوية قيمته البيئية أو السياحية، بل بسبب حالة من الغضب والاحتقان التي عبّرت عنها فئة الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم، احتجاجًا على تسعيرة الولوج التي اعتُبرت غير منصفة ولا تراعي هشاشة أوضاعهم الاجتماعية والمادية.

وأثار القرار المتعلق بتحديد ثمن الدخول في 30 درهمًا للأشخاص في وضعية إعاقة ردود فعل واسعة في أوساط جمعوية وحقوقية، رأت فيه مساسًا بروح العدالة الاجتماعية التي يفترض أن تؤطر تدبير المرافق العمومية، خاصة تلك التي أُنجزت أو أُعيد تأهيلها بتمويل من المال العام.

واعتبر فاعلون مدنيون أن فرض أداء مالي على هذه الفئة يتناقض مع الهدف الأساسي من إعادة إحياء الحديقة، باعتبارها فضاءً مفتوحًا يفترض أن يضمن حق الاستفادة المتكافئة لجميع المواطنين دون تمييز أو إقصاء.

الاحتقان الذي خيّم على محيط الحديقة لم يبق في حدود النقاش الافتراضي أو البيانات الجمعوية، بل تُرجم ميدانيًا من خلال وقفة احتجاجية جرت يوم أمس السبت، شاركت فيها أسر أشخاص في وضعية إعاقة، عبّرت عن رفضها لما وصفته بسياسة تسعير لا تراعي واقع الفئات الهشة.

واعتبر المحتجون أن تكلفة الولوج، في حال قدوم الشخص المعاق رفقة أسرته أو مرافقه، قد تتحول إلى عبء مالي يفوق قدرة عدد كبير من العائلات ذات الدخل المحدود، خصوصًا في أحياء عين السبع والحي المحمدي والصخور السوداء، المعروفة بتركيبتها الاجتماعية البسيطة.

وترى الهيئات المدنية أن الإشكال لا يتعلق فقط بقيمة 30 درهمًا في حد ذاتها، بل بالمبدأ الذي يحكم تدبير مرفق عمومي أُعيد بناؤه بميزانية ضخمة مصدرها المال العام. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن مشروع إعادة تأهيل حديقة الحيوانات بعين السبع استفاد من غلاف مالي مهم في إطار برنامج تأهيل مدينة الدار البيضاء، حيث جرى تخصيص عشرات المليارات من السنتيمات لهذا الورش، ما يجعل، حسب الفاعلين، من غير المقبول تحميل الفئات الهشة عبء المساهمة في تمويله من جديد عبر تذاكر الولوج.

وتطالب الجمعيات المعنية بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة بإقرار مجانية الولوج لهم ولمرافقيهم، أو على الأقل اعتماد تسعيرة رمزية لا تتجاوز عشرة دراهم، انسجامًا مع القدرة الشرائية المحدودة لهذه الفئة، ومع القوانين الوطنية التي تنص على ضمان ولوج الأشخاص ذوي الإعاقة إلى المرافق العامة والخدمات الثقافية والترفيهية دون حواجز مادية أو تمييزية.

وتزداد حدة الانتقادات بالنظر إلى أن إعادة افتتاح الحديقة جاءت بعد انتظار دام أكثر من إحدى عشرة سنة، وهو ما خلق آمالًا واسعة لدى ساكنة الدار البيضاء بعودة هذا الفضاء كمتنفس اجتماعي للعائلات والأطفال، قبل أن تصطدم شريحة من المواطنين بإجراءات اعتُبرت مخيبة للآمال.

وسبق أن أكدت الفعاليات السياسية المصطفة في صفوف المعارضة بالدار البيضاء أن طريقة تدبير ملف التسعيرة قد تُفرغ المشروع من بعده الاجتماعي، وتحوّله إلى فضاء موجّه أساسًا للفئات القادرة على الأداء، على حساب الفئات الهشة التي يُفترض أن تكون في صلب السياسات العمومية.

في المقابل، يُدرج افتتاح حديقة الحيوانات بعين السبع ضمن رؤية حضرية ترمي إلى تعزيز جاذبية الدار البيضاء واستعادة جزء من هويتها البيئية والترفيهية، خاصة أن هذا الفضاء ظل لعقود معلمة بارزة في الذاكرة الجماعية للمدينة.

ويمتد المشروع على مساحة تناهز 13 هكتارًا، خُصص الجزء الأكبر منها لإيواء الحيوانات، مع توزيع الفضاءات وفق تصور يحاكي بيئات طبيعية مستوحاة من إفريقيا وآسيا وأمريكا، في محاولة للارتقاء بتجربة الزائر وربط الترفيه بالبعد التربوي والتحسيسي.

ويضم الفضاء الجديد أكثر من مئة حيوان تنتمي إلى نحو خمسة وسبعين نوعًا مختلفًا، جرى توفير شروط إيواء تحاكي بيئاتها الأصلية، إلى جانب إحداث مرافق موازية تشمل مزرعة تعليمية، ومركزًا بيطريًا حديثًا، ومناطق خضراء للراحة والتنزه، فضلاً عن فضاءات مخصصة للأطفال والعائلات.

غير أن هذا الاستثمار الكبير، حسب فاعلين مدنيين، يظل منقوص الأثر إذا لم يُواكب بسياسة ولوج منصفة تضع البعد الاجتماعي في صلب أولوياتها.

ويُنتظر أن يفتح هذا الجدل نقاشًا أوسع حول حكامة تدبير المرافق العمومية المفوضة، وحدود التوازن بين منطق الاستثمار والاستدامة المالية، وبين ضمان الحق في الولوج العادل والمنصف للفئات الهشة.

كما يراهن المحتجون على تدخل الجهات المسؤولة من أجل مراجعة تسعيرة الدخول، بما ينسجم مع روح الدستور، والالتزامات الوطنية في مجال حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، ويعيد لحديقة الحيوانات بعين السبع دورها كفضاء عمومي جامع، لا يقصي أحدًا بسبب وضعه الاجتماعي أو الجسدي.

آخر الأخبار