جهة الدار البيضاء–سطات تراهن على البطاقات الإلكترونية لمحاصرة الموظفين الأشباح
تشهد جهة الدار البيضاء–سطات خلال الفترة الأخيرة توجّهًا متزايدًا نحو اعتماد أنظمة رقمية حديثة في تدبير الموارد البشرية، في مقدمتها نظام البطاقات الإلكترونية لتسجيل الحضور والانصراف، وذلك في إطار مساعٍ ترمي إلى ضبط أوقات العمل ومحاصرة ظاهرة ما يُعرف بالموظفين الأشباح، التي طالما أثارت نقاشًا واسعًا حول نجاعة الإدارة العمومية وحكامة تسييرها.
وبحسب معطيات الجريدة 24، فقد شرعت عدد من المجالس الجماعية والمقاطعات التابعة للجهة في تنزيل هذا النظام الجديد، الذي يقوم على توثيق الحضور اليومي للموظفات والموظفين بشكل إلكتروني، بما يسمح بتوفير معطيات دقيقة حول زمن العمل الفعلي، والحد من الممارسات التي تؤثر سلبًا على جودة الخدمات العمومية واستمراريتها.
ويبرز هذا التوجه بشكل لافت على مستوى جماعة الدار البيضاء ومقاطعاتها الست عشرة، باعتبارها أكبر جماعة ترابية من حيث عدد الموظفين وحجم المرفق العمومي.
وفي هذا السياق، أعطت عمدة مدينة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، حسب مصادر الجريدة 24، تعليماتها من أجل اعتماد نموذج موحد لكشوفات الحضور والغياب، مع التأكيد على إلزامية إثبات التواجد اليومي لجميع الموظفين والأعوان، في خطوة ترمي إلى توحيد المساطر الإدارية وتعزيز مبدأ المساواة في تطبيق القواعد التنظيمية داخل مختلف المصالح الجماعية والمقاطعات التابعة لها.
ويأتي هذا الإجراء في سياق وطني أوسع، حيث تتجه عدة جماعات ترابية بمختلف جهات المملكة إلى الاستعانة بالحلول الرقمية والأنظمة المعلوماتية الحديثة، بهدف تجاوز اختلالات مزمنة في تدبير الموارد البشرية، وتحقيق مزيد من الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فضلًا عن ترسيخ مبدأ ربط الأجر بالعمل الفعلي، باعتباره أحد مرتكزات الحكامة الجيدة والإدارة المواطِنة.
غير أن هذا التوجه لم يمر دون إثارة جدل في الأوساط النقابية، إذ أعلن المكتب النقابي لموظفي جماعة الدار البيضاء والمقاطعات التابعة لها، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، عن استنكاره لاعتماد نظام البطاقات الإلكترونية لتسجيل الحضور دون احترام المساطر القانونية والتنظيمية المعمول بها، ودون إشراك الفرقاء الاجتماعيين في بلورة هذا القرار.
وأوضح المكتب النقابي، في بيان له، أن تفعيل هذا النظام تم في غياب الحوار والتشاور المسبق مع المكاتب النقابية الممثلة للموظفين، معتبرًا أن هذا الأسلوب في اتخاذ القرار من شأنه أن يخلق توترًا داخل المرفق الجماعي، ويمس بجو الثقة المفترض بين الإدارة والشغيلة الجماعية، خاصة في ملفات ذات حساسية مرتبطة بحقوق وواجبات الموظفين.
وفي الوقت ذاته، شدد البيان على أن الموقف النقابي لا يعارض مبدأ تحديث الإدارة أو اللجوء إلى الوسائل التكنولوجية الحديثة لمراقبة الحضور، بل يرى فيها خطوة إيجابية وضرورية إذا ما تم اعتمادها في إطار يحترم كرامة الموظف وحقوقه القانونية والتنظيمية، ويضمن حماية المعطيات الشخصية وسلامة العاملين، انسجامًا مع التشريعات الوطنية الجاري بها العمل.
وسجّل المكتب النقابي استياءه مما اعتبره إخلالًا بالتزامات سابقة قطعتها الإدارة، والمتعلقة بالتشاور والتنسيق قبل الشروع في تفعيل أي نظام جديد يمس الوضعية المهنية والاجتماعية للموظفين، محمّلًا إدارة جماعة الدار البيضاء وكافة المقاطعات التابعة لها كامل المسؤولية عن أي تبعات قد تنجم عن سوء تدبير هذا الإجراء أو التعجيل بتنزيله دون توفير شروطه الموضوعية.
وفي هذا الإطار، طالب المكتب النقابي بتوقيف جميع الإجراءات المرتبطة بنظام تسجيل الحضور الإلكتروني إلى حين استكمال الشروط التنظيمية والقانونية اللازمة، وتوفير المتطلبات المرتبطة به، وعلى رأسها تحسين ظروف العمل، وضمان وسائل نقل ملائمة للموظفات والموظفين، إضافة إلى مراعاة بعض الإكراهات الاجتماعية، من قبيل وضعية الحاضنات وحالات خاصة أخرى.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة إشكالية التوازن بين ضرورة تحديث الإدارة العمومية وتعزيز نجاعتها من جهة، وضمان احترام الحقوق المكتسبة للموظفين والحفاظ على السلم الاجتماعي داخل المرافق العمومية من جهة أخرى، في ظل تحولات رقمية متسارعة تفرضها متطلبات العصر وتطلعات المرتفقين إلى خدمات عمومية أكثر جودة وفعالية.
وفي انتظار ما ستؤول إليه تطورات هذا الملف، يظل الرهان قائمًا على إرساء مقاربة تشاركية قادرة على التوفيق بين أهداف الإصلاح الإداري ومتطلبات الحوار الاجتماعي، بما يخدم مصلحة المرفق العمومي، ويعزز الثقة بين الإدارة وموظفيها، ويساهم في ترسيخ نموذج متوازن للحكامة المحلية بجهة الدار البيضاء–سطات.
