بعد هدم 262 محلا.. مستقبل تجار سوق البحيرة على طاولة غرفة التجارة

الكاتب : انس شريد

20 يناير 2026 - 09:30
الخط :

شهدت مدينة الدار البيضاء، خلال الأيام الأخيرة، تطورات لافتة على خلفية هدم سوق البحيرة بالمدينة القديمة، وهو القرار الذي خلّف آثاراً اجتماعية واقتصادية عميقة في صفوف مئات التجار والأسر التي كانت تعتمد بشكل مباشر على النشاط التجاري داخل هذا الفضاء التاريخي، ما دفع إلى عقد اجتماع رسمي بين رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء–سطات وتجار السوق المتضررين، في محاولة لاحتواء تداعيات الوضع وفتح قنوات الحوار حول سبل المعالجة الممكنة.

ويُعد سوق البحيرة من أقدم الفضاءات التجارية بالمدينة القديمة للدار البيضاء، إذ ارتبط اسمه، لعقود طويلة، ببيع الكتب المستعملة والحقائب وبعض الأدوات البسيطة، وشكّل قبلة لزبناء من داخل المدينة وخارجها، خاصة الطلبة والتلاميذ والباحثين عن مراجع دراسية وكتب نادرة بأسعار مناسبة. ولم يكن السوق مجرد فضاء للبيع والشراء، بل أضحى مع مرور الزمن جزءاً من الذاكرة الحضرية والمشهد الثقافي للمدينة، حيث احتضن أنشطة اقتصادية صغيرة أسهمت في تأمين مورد رزق يومي لمئات الأسر.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن سوق البحيرة كان يضم أزيد من 260 محلاً تجارياً، يوفر كل واحد منها دخلاً مباشراً لما بين خمس وست أسر، ما يجعل أي قرار يهم هذا الفضاء ذا انعكاسات اجتماعية واسعة تتجاوز التجار أنفسهم لتشمل دائرة أكبر من العمال والممونين والمرتبطين بالنشاط التجاري للسوق.

غير أن تقادم البنايات وغياب الصيانة الدورية جعلا السوق، وفق تقارير تقنية رسمية، يشكل خطراً محتملاً على سلامة شاغليه والمارة، وهو ما استندت إليه السلطات المحلية في اتخاذ قرار الإغلاق والهدم.

وفي هذا السياق، أنهت سلطات الدار البيضاء عمليات هدم سوق البحيرة بالمدينة القديمة في إطار إنجاز مشروع “المحج الملكي”، الذي يندرج ضمن مشاريع إعادة التهيئة الحضرية وتحديث البنية التحتية للمدينة القديمة.

وأفادت مصادر متطابقة بأن الشركة المكلفة بالأشغال سخّرت جرافات لهدم 262 محلاً تجارياً، وذلك بعد إخلائها من التجار والحرفيين يوم الجمعة الماضي، ما وضع حدا نهائيا لنشاط تجاري استمر لسنوات طويلة.

وعلى إثر هذه التطورات، عقد رئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء–سطات، حسن البركاني، يوم الثلاثاء، اجتماعاً مع تجار سوق البحيرة، خُصص للاستماع إلى مطالبهم وانشغالاتهم بعد قرار الهدم.

ووفق ما تم تداوله خلال اللقاء، فقد عبّر التجار عن حجم الضرر الذي لحق بهم جراء فقدان محلاتهم، مؤكدين أنهم وجدوا أنفسهم، بشكل مفاجئ، دون مورد رزق أو بدائل عملية تضمن استمرارية نشاطهم التجاري.

وأكد رئيس الغرفة، في تصريحات صحفية عقب الاجتماع، أنه سيتم توجيه مراسلة رسمية إلى عمدة مدينة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، من أجل البحث عن سبل إيجاد حلول عملية لفائدة المتضررين، سواء عبر دراسة إمكانية تخصيص دعم مالي للتخفيف من حدة الأضرار، أو من خلال العمل على توفير فضاء بديل يمكن التجار من استئناف نشاطهم بعد هدم السوق.

وأوضح أن غرفة التجارة والصناعة والخدمات تضطلع بدور الوسيط وجسر التواصل بين التجار والسلطات والجهات المسؤولة، رغم ما وصفه بالإكراهات المرتبطة بتنزيل المشاريع الكبرى بالمدينة.

وشدد رئيس الغرفة على أن السلطات ليست في موقع خصومة مع المهنيين، بل تسعى إلى إخراج مشروع المحج الملكي إلى حيز الوجود، باعتباره مشروعاً هيكلياً يهم المدينة القديمة، التي كان يوجد بها سوق البحيرة، مؤكداً في الوقت ذاته أن إنجاح مثل هذه المشاريع يظل رهيناً بمراعاة البعد الاجتماعي وحماية الفئات المتضررة من تداعيات التحولات الحضرية.

وفي المقابل، عبّر التجار، خلال الاجتماع، عن معاناتهم الميدانية بعد قرار الهدم، موضحين أن عدداً منهم اضطر إلى بيع الكتب والسلع بأثمان بخسة في محاولة لتقليص الخسائر، فيما تعرضت كميات أخرى للتلف أو الإتلاف، بسبب غياب بدائل فورية للتخزين أو النقل، وهو ما فاقم من حجم الضرر الذي لحق بهم.

كما أشاروا إلى أن توقف النشاط التجاري وضعهم في وضعية مالية حرجة، في ظل التزامات قائمة تجاه العمال والموردين.

وشدد المتضررون على أن أي تعويضات مالية محتملة، في حال إقرارها، لا يمكن أن تشكل بديلاً حقيقياً عن المحل التجاري، معتبرين أن التاجر يحتاج قبل كل شيء إلى فضاء لممارسة نشاطه وضمان استمراريته، وليس فقط إلى دعم ظرفي لا يحل الإشكال من جذوره.

وأكدوا أن مطلبهم الأساسي الموجه إلى الجهات المسؤولة لا يتمثل في الحصول على المال، بقدر ما ينصب على إيجاد حل عملي ومستدام، يتمثل في توفير سوق نموذجي يضم 262 محلاً، يضمن لهم العودة إلى العمل والحفاظ على مصدر عيشهم وكرامة أسرهم.

ويظل ملف سوق البحيرة مفتوحاً على أكثر من سيناريو، في انتظار ما ستسفر عنه الاتصالات والمراسلات المرتقبة بين غرفة التجارة والصناعة والخدمات والجهات المسؤولة، وسط ترقب التجار المتضررين لأي خطوة عملية تعيد لهم الأمل في استعادة نشاطهم التجاري، وتحقق توازناً بين متطلبات التنمية الحضرية والعدالة الاجتماعية.

آخر الأخبار