اتهامات باستغلال المنتخبين لسيارات الجماعة لأغراض عائلية تثير جدلا بالدار البيضاء

الكاتب : انس شريد

26 يناير 2026 - 08:30
الخط :

في خضم تصاعد النقاش العمومي حول تدبير المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة، تفجّر داخل جماعة الدار البيضاء جدل واسع بشأن طريقة استغلال السيارات الوظيفية الموضوعة رهن إشارة المنتخبين والمسؤولين المحليين، بعد تداول تقارير ومعطيات تشير إلى وجود اختلالات وصفت بالخطيرة، تتعلق باستفادة أبناء وزوجات وأقارب بعض المسؤولين من سيارات مملوكة للجماعة أو مكتراة بميزانيتها، خارج أي إطار قانوني أو مهني واضح.

وأعادت هذه المعطيات إلى الواجهة ملف ما يُعرف بـ“ريع السيارات المصلحية”، الذي ظل يطفو على السطح بين الفينة والأخرى، دون أن يتم الحسم فيه بشكل جذري، رغم ما يطرحه من أسئلة محرجة حول احترام أخلاقيات التدبير العمومي، وحول مدى التزام المنتخبين بالمقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لاستعمال ممتلكات الجماعات الترابية.

وقد زاد من حدة الجدل تداول معلومات حول استغلال سيارة وظيفية تعود لأحد رؤساء المقاطعات، قيل إنها مُنحت لابنه، مع السماح له باستعمالها خارج التراب الوطني، وهو ما فجّر موجة من الانتقادات والتساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية.

وفي سياق هذا التفاعل المتسارع، خرج يوسف رخيص، رئيس مقاطعة الحي المحمدي، عن صمته، في تدوينة له عبر حسابه على الفيسبوك، نافيا بشكل قاطع صحة ما راج بخصوص خروجه بسيارة مكتراة من طرف مجلس جماعة الدار البيضاء، ومؤكدا أن الأمر لا يعدو أن يكون، بحسب تعبيره، خبرا زائفا يدخل في إطار التضليل ومحاولات خلط الأوراق. وشدد المسؤول ذاته على أن كل ما تم تداوله في هذا الشأن يفتقر إلى أي أساس واقعي أو قانوني، ولا يستند إلى معطيات صحيحة.

وأوضح رئيس مقاطعة الحي المحمدي أن الطلب الذي تم الزج به في قلب هذا الجدل كان مرتبطا بشراكة مؤسساتية قائمة بين المجلس السابق وإحدى المدن الإيطالية، وهي شراكة معروفة على المستوى الرسمي، غير أن السفر الذي كان مبرمجا في هذا الإطار لم يتم في نهاية المطاف وتم إلغاؤه، ما ينفي، بحسبه، أي استعمال للسيارة خارج المهام الرسمية أو خارج الضوابط القانونية.

كما أشار إلى وضعه الصحي، موضحا أنه شخص في وضعية إعاقة ويتوفر على سائق، وفي حالات استثنائية مرتبطة بغياب هذا الأخير، يتولى ابنه القيادة دون أن يشكل ذلك أي خرق للقانون الجاري به العمل.

وفي مقابل دفاعه عن نفسه، دعا رخيص إلى توجيه النقاش نحو ما اعتبره الإشكال الحقيقي، والمتمثل في الاستعمال غير المشروع لسيارات المال العام من طرف أبناء وزوجات بعض المستشارين، معتبرا أن التركيز على وقائع غير صحيحة لا يخدم سوى تصفية حسابات سياسية معروفة الخلفيات.

وأكد استعداده للانخراط في أي مساءلة مسؤولة، والتصدي لما وصفه بالإشاعات التي تمس بالحقيقة وبذكاء المواطنين.

ويأتي هذا السجال في سياق أوسع يتسم بتزايد الانتقادات الموجهة لتدبير مجلس جماعة الدار البيضاء لملف السيارات الوظيفية، خاصة بعد الكشف عن تخصيص ميزانية تقدر بـ17 مليون درهم ضمن ميزانية سنة 2026 لكراء أسطول من السيارات لفائدة مسؤولي الجماعة.

وهو رقم أثار موجة استنكار داخل المجلس وخارجه، لاسيما من طرف فرق المعارضة، التي اتهمت رئاسة المجلس بتجاهل توصيات المجلس الأعلى للحسابات، فضلا عن الدورية الأخيرة لوزارة الداخلية التي شددت على ضرورة ترشيد نفقات التجهيز، والحد من المصاريف غير الضرورية للجماعات الترابية.

وتُظهر المعطيات المالية أن الغلاف المخصص لكراء السيارات برسم سنة 2026 يفوق ما تم رصده خلال سنة 2025، والذي بلغ حوالي 15 مليون درهم، كما يتجاوز بشكل لافت قيمة الصفقة التي أبرمت سنة 2022، والتي لم تتعد 11 مليون درهم.

هذه الزيادة المتتالية في الميزانية، وفق منتقديها، لا تنسجم مع السياق العام الذي يدعو إلى التقشف وترشيد النفقات، ولا مع وضعية الجماعة التي تواجه تحديات مالية وخدماتية كبرى.

وتعززت هذه الانتقادات في ظل غياب تقييم دقيق ومعلن لحاجيات الجماعة الفعلية من السيارات، وطبيعة استعمالها، وعدد المستفيدين منها، إضافة إلى غموض يلف شروط المراقبة والتتبع.

وهو ما دفع فرق المعارضة إلى اعتبار هذه الصفقات هدرا للمال العام، ومظهرا من مظاهر سوء التدبير، خاصة إذا ما ثبت استغلال بعض السيارات لأغراض شخصية أو عائلية لا تمت بصلة للمهام التمثيلية أو الإدارية.

ويعيد هذا الجدل المتجدد طرح إشكالية الحكامة المحلية بمدينة الدار البيضاء، ويضع مجلس الجماعة أمام اختبار حقيقي في ما يتعلق بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما يعكس في الآن ذاته حجم التوتر القائم بين مكونات المجلس، في ظل تصاعد الاتهامات المتبادلة.

آخر الأخبار