البرلمان يفتح ملفات الدار البيضاء.. بنية تحتية متعثرة ومطالب اجتماعية ملحة
تتوالى ملفات مدينة الدار البيضاء على طاولة المؤسسة التشريعية، في مشهد يعكس حجم التحديات التي تواجه تدبير الشأن المحلي بالعاصمة الاقتصادية للمملكة، ويكشف في الآن ذاته عن تنامي منسوب القلق البرلماني إزاء اختلالات عمرانية وبيئية واجتماعية باتت تؤرق الساكنة.
فمن هشاشة البنيات التحتية إلى إشكاليات التعمير والبيئة، ومن مطالب تعزيز العرض الجامعي إلى احتجاجات فنية ومشاكل النقل الثقيل، تحولت الدار البيضاء إلى محور لعدد من الأسئلة الكتابية الموجهة إلى قطاعات حكومية مختلفة.
وأعادت التساقطات المطرية الأخيرة تسليط الضوء على واقع عدد من المشاريع الطرقية التي لم تصمد أمام أول اختبار مناخي، بعدما تحولت شوارع وأزقة إلى برك مائية، وظهرت حفر وتشققات في مقاطع طرقية لم يمض على إعادة تهيئتها سوى أشهر قليلة.
هذه الوضعية دفعت النائبة البرلمانية لبنى الصغيري، عن حزب التقدم والاشتراكية إلى مساءلة وزارة الداخلية حول ما اعتبرته هشاشة متكررة في بعض البنيات التحتية، مطالبة بتحديد المسؤوليات الإدارية والتقنية، وفتح تحقيقات بشأن المشاريع التي أثيرت حولها علامات استفهام، فضلاً عن ترتيب الجزاءات في حال ثبوت إخلالات تعاقدية أو تقصير في المراقبة والتتبع.
كما أثارت سؤال التنسيق بين الجماعة وشركات التنمية المحلية والمصالح اللاممركزة، ومدى نجاعة آليات تسلم الأشغال ومراقبة جودتها.
وفي سياق متصل بحاجيات الساكنة، برز مطلب إحداث كلية متعددة التخصصات بعمالة البرنوصي سيدي مومن، التي يتجاوز عدد سكانها 800 ألف نسمة، وفق ما ورد في سؤال كتابي للنائب البرلماني هشام الحيد عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية موجه إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.
ويستند هذا المطلب، حسب السؤال البرلماني إلى اعتبارات اجتماعية وتنموية، في ظل ما يواجهه الطلبة من صعوبات تنقل يومية نحو مؤسسات جامعية بعيدة، وما يترتب عن ذلك من أعباء مادية وضغط زمني يؤثر على مسارهم الدراسي.
ويُنظر إلى المشروع، حسب هشام الحيد، خطوة نحو تقريب الخدمات الجامعية وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى التعليم العالي.
على الصعيد الثقافي، طُرح ملف الدعم العمومي للفنانين بمدينة الدار البيضاء على بساط المساءلة البرلمانية، في أعقاب احتجاجات عبّر خلالها فنانون عن استيائهم مما وصفوه بالإقصاء والتهميش وغياب تكافؤ الفرص في الاستفادة من برامج الدعم.
وساءلت النائبة فاطمة التامني، عن حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي وزارة الشباب والثقافة والتواصل حول معايير توزيع الدعم وآليات الشفافية المعتمدة، إضافة إلى الإجراءات الكفيلة بتمكين الفنانين، خصوصاً المستقلين منهم، من فرص الشغل والحماية الاجتماعية.
ويعيد هذا النقاش طرح سؤال العدالة الثقافية ودور السياسات العمومية في تثمين الإبداع المحلي داخل أكبر مدينة بالمملكة.
ومن بين أبرز الملفات المعروضة على قبة البرلمان، معاناة ساكنة الحي المحمدي من استمرار نشاط سوق الدواجن بالجملة وسط مجال سكني كثيف، في وضع بيئي وصحي اعتبرته فعاليات محلية غير مقبول.
فالسوق، الذي كان يفترض أن يخضع لشروط صارمة تحمي صحة المواطنين، أصبح مصدراً يومياً للروائح الكريهة والتلوث، نتيجة مخلفات الذبح وتراكم النفايات، إلى جانب الفوضى التي ترافق حركة الشاحنات والتجار منذ ساعات الصباح الأولى.
ورغم تدخلات متفرقة لتحسين النظافة، فإن الوضع ظل على حاله، ما عمّق معاناة الساكنة وأعاد إلى الواجهة مطلب الترحيل النهائي للسوق خارج المدار الحضري.
وأثار النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة عادل البيطار ملف سوق الدواجن في سؤال كتابي موجّه إلى الحكومة، مستفسراً عن الجدوى الحقيقية لمشروع ترحيل السوق إلى منطقة أولاد عزوز، والمراحل العملية لتنزيل هذا القرار، وكذا الإجراءات المعتمدة للحد من الأضرار البيئية والصحية في المرحلة الانتقالية، إلى جانب الضمانات المرتبطة بمراقبة احترام المعايير الصحية بعد نقل السوق، والآجال الزمنية المحددة لإنجاز المشروع.
وبموازاة هذا الملف، تفجرت قضية عقارية وُصفت بالحساسة تتعلق ببقعة أرضية تحمل الرسم العقاري C/8447 بمنطقة عين السبع، تبلغ مساحتها حوالي 6000 متر مربع، وتقع في موقع استراتيجي تُقدّر قيمته المالية بنحو 20 مليار سنتيم.
هذه الأرض، التي كانت مصنفة كمساحة خضراء عمومية وفق مقتضيات المادة 29 من قانون التعمير رقم 25-90، آلت ملكيتها إلى شركة خاصة للإنعاش العقاري، استناداً إلى حكم صادر عن محكمة النقض سنة 2017 وقرار للمحكمة الإدارية، وهو ما أثار موجة من الجدل والاتهامات داخل مجلس جماعة الدار البيضاء.
وحسب المعطيات المتداولة، فإن العقار كان قد أُدرج ضمن الملك الجماعي بعد تسوية وضعيته القانونية، قبل أن يُفاجأ المجلس الجماعي بتغيير ملكيته دون إشعار مسبق أو تداول داخلي، ما دفع مستشاري المعارضة إلى اعتبار ما جرى مساساً خطيراً بممتلكات الجماعة وبحق الساكنة في الاستفادة من المساحات الخضراء.
وفي هذا الإطار، طالب عادل البيطار، بالكشف عن الإجراءات المتخذة لضمان الشفافية والإنصاف في نقل ملكية الأراضي الجماعية، وفتح تحقيق في أي شبهات أو مخالفات إدارية أو قانونية محتملة.
كما تساءل النائب البرلماني عن مدى احترام هذا التحويل للقوانين الوطنية المؤطرة للمساحات الخضراء، وخطط الحفاظ على حقوق الساكنة في الفضاءات العمومية، إضافة إلى التدابير التي تعتزم الحكومة اعتمادها لتفادي تكرار نزاعات مماثلة وحماية الملكيات الجماعية مستقبلاً.
ولم يتوقف تدخل المؤسسة التشريعية عند هذا الحد، بل شمل أيضاً ملف تأخر إنجاز مشروع إعادة بناء محطة القطار بعين السبع، وهو المشروع الذي كان يُنتظر أن يساهم في تحسين البنية التحتية للنقل السككي وتعزيز جودة الخدمات المقدمة لآلاف المسافرين يومياً.
غير أن التأخر المسجل في إنجازه انعكس سلباً على ظروف استقبال المرتفقين وسلاسة التنقل، ما دفع النائب البرلماني إلى مساءلة الجهات الوزارية الوصية حول الأسباب الحقيقية لهذا التأخير، والإجراءات المعتمدة لتسريع وتيرة الأشغال ووضع حد لمعاناة مستعملي القطار.
وفي الحي المحمدي، يتقاطع هذا الوضع مع تحدٍّ عمراني آخر لا يقل خطورة، يتمثل في انتشار الدور السكنية الآيلة للسقوط، خاصة بمنطقة درب مولاي الشريف، حيث لا تزال بنايات مهددة بالانهيار قائمة رغم التنبيهات والشكايات المتكررة.
هذا الواقع يطرح، وفق متتبعين، إشكالات تتعلق بسلامة السكان وبطء التدخلات، في ظل هشاشة اجتماعية وعمرانية متراكمة.
وفي هذا الصدد، وجّه عادل البيطار سؤالاً كتابياً إلى وزيرة الاسكان فاطمة الزهراء المنصوري، طالب فيه بالكشف عن الإجراءات المتخذة أو المزمع اعتمادها لمعالجة ملف الدور الآيلة للسقوط، والبرامج المخصصة لإعادة إسكان المتضررين أو ترميم المباني الخطرة، بما يضمن حماية الأرواح وتوفير بيئة سكنية آمنة للساكنة.
وفي المجال الاقتصادي، برز مطلب تأهيل الحي الصناعي بسيدي البرنوصي، الذي يمثل ركيزة أساسية في النسيج الإنتاجي للمدينة، لكنه يعاني من نقائص على مستوى البنيات الطرقية والنقل العمومي والمرافق الأساسية.
وساءل النائب البرلماني هشام الحيد وزارة الصناعة والتجارة حول خطة متكاملة لإعادة تأهيل المنطقة الصناعية، بما يضمن ظروف عمل لائقة للعمال ويعزز جاذبية المجال للاستثمار.
وعلى المستوى الصحي، برز بدوره مطلب إعادة فتح قسم الولادة بمستشفى أبو الوفا (مولاي الحسن) في تراب مقاطعة الفداء درب السلطان، الذي ظل مغلقاً منذ سنة 2020 عقب حالة الطوارئ الصحية.
وفي هذا الإطار، وجهت النائبة البرلمانية نادية التهامي عن حزب التقدم والاشتراكية سؤالا كتابيا إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، شددت فيه على أهمية تعزيز خدمات صحة الأم والطفل باعتبارها مدخلاً أساسياً لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن استمرار إغلاق القسم يحرم نساء المنطقة من خدمة صحية أساسية، ويضطرهن إلى التنقل نحو مؤسسات استشفائية أخرى مكتظة، ما يطرح تحديات مرتبطة بالجودة والولوج في آن واحد.
وطالبت بتوضيح التدابير الاستعجالية المزمع اتخاذها لإعادة فتح القسم وتجهيزه وتأهيله وتزويده بالأطر الطبية والتمريضية اللازمة، في سياق ورش إصلاح المنظومة الصحية وتعميم التغطية الصحية.
تكشف هذه الأسئلة المتعددة عن صورة مركبة لمدينة تواجه تحديات متداخلة، تتطلب مقاربة مندمجة تتجاوز الحلول الظرفية إلى إصلاحات هيكلية في مجالات الحكامة المحلية، والتخطيط العمراني، والعدالة المجالية، وحماية البيئة.
وبين ضغط الانتظارات الاجتماعية واتساع رقعة الملفات المطروحة، تبدو الدار البيضاء أمام لحظة مساءلة سياسية وإدارية تستدعي وضوح الرؤية وتسريع وتيرة الإنجاز، حفاظا على مكانتها كقاطرة اقتصادية، وضمانا لحق ساكنتها في مدينة أكثر أماناً وتنظيما وجودة عيش.