الحكومة تتحرك لإعادة رسم الخريطة الجامعية وتقريب المؤسسات من الطلبة

الكاتب : انس شريد

13 فبراير 2026 - 10:30
الخط :

يشهد قطاع التعليم العالي بالمغرب منذ سنوات نقاشا عموميا متواصلا، تغذيه التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع، وتفرضه رهانات التنمية الشاملة التي تراهن على الرأسمال البشري باعتباره المحرك الأساسي لأي إقلاع اقتصادي واجتماعي.

وبين مطالب تحسين جودة التكوين، وتوسيع العرض الجامعي، وضمان شروط ملائمة للإيواء والدراسة، يجد هذا القطاع نفسه في قلب انتظارات متزايدة من طرف الطلبة والأسر والفاعلين السياسيين والمدنيين على حد سواء.

وقد سبق للأطراف المعارضة، في مناسبات متعددة، أن نبهت إلى ما تعتبره اختلالات بنيوية تعيق أداء الجامعة المغربية، داعية إلى الرفع من جودة المؤسسات الجامعية، وتجويد مسارات التكوين، وإيلاء عناية أكبر بأوضاع الطلبة سواء من حيث جودة التعليم أو ظروف الإقامة والخدمات الاجتماعية.

هذه المطالب تعكس، في جوهرها، قناعة راسخة بأن إصلاح التعليم العالي لم يعد ترفا سياسيا، بل ضرورة وطنية ملحة.

في هذا السياق، كشف عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، اليوم الجمعة، أن الوزارة منخرطة في ورش استراتيجي يروم جعل التعليم العالي رافعة حقيقية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد فضاء لمنح الشهادات. وأبرز أن هذا التوجه يستند إلى رؤية شمولية تعتبر الجامعة فاعلا مركزيا في خلق الفرص، وتقليص الفوارق، وتعزيز تكافؤ الحظوظ بين مختلف فئات المجتمع.

وجاءت كلمة المسؤول الحكومي خلال لقاء تواصلي نظمته حزب الأصالة والمعاصرة بعمالة الفداء مرس السلطان، حيث أكد أن الوزارة تعمل حاليا على بلورة وصياغة نصوص تشريعية وتنظيمية جديدة، تروم بالأساس توسيع العرض الجامعي وتقريب المؤسسات التعليمية من الطلبة في مختلف جهات المملكة.

ويهدف هذا التوجه، حسب الوزير، إلى تجاوز منطق التمركز الذي طبع الخريطة الجامعية لعقود، وإرساء عدالة مجالية حقيقية في الولوج إلى التعليم العالي.

ويُنتظر أن تساهم هذه النصوص الجديدة، وفقا المتحدث ذاته، في الحد من ظاهرة الهجرة الداخلية للطلبة نحو المدن الكبرى، وهي الظاهرة التي تترتب عنها أعباء اجتماعية واقتصادية ثقيلة، سواء على الأسر أو على البنيات التحتية للمدن المستقبلة.

كما تراهن الوزارة على أن إحداث مؤسسات جامعية جديدة بالمجالات الترابية الأقل استفادة سيساهم في خلق دينامية اقتصادية واجتماعية محلية، عبر تنشيط سوق الشغل، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز الطلب على الخدمات.

ولا يقتصر ورش الإصلاح، بحسب ما كشف عنه الميداوي، على الجانب الكمي المرتبط بعدد المؤسسات والمقاعد البيداغوجية، بل يمتد إلى تحسين جودة التكوينات، وتحديث المناهج، وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.

وفي هذا الإطار، شدد الوزير على أن الرهان على التعليم العالي كرافعة للتنمية يقتضي تجاوز المقاربات التقليدية، واعتماد تصور جديد يجعل من الطالب محور العملية التعليمية، ومن الجامعة فضاء للإبداع والابتكار، لا مجرد مؤسسة للتلقين.

كما أكد أن الاستثمار في البحث العلمي يشكل ركيزة أساسية لأي إصلاح، باعتباره القاطرة التي تقود إلى إنتاج المعرفة وتوطين التكنولوجيا.

وفي ختام مداخلته، وجه الميداوي رسائل مباشرة إلى المنتخبين وفعاليات المجتمع المدني، مؤكدا أن تنزيل ورش العدالة المجالية في التعليم العالي يتطلب انخراطا جماعيا وتعبئة شاملة، تتجاوز المجهود الحكومي المنفرد.

واعتبر أن المقاربة التشاركية هي السبيل الأنجع لضمان نجاعة المشاريع واستدامتها، داعيا إلى تغيير النظرة إلى المواطن من مجرد متلقٍ للسياسات العمومية إلى شريك أساسي في بلورتها وتتبع تنفيذها وتقييم مخرجاتها.

ويبدو أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في اختبار قدرة السياسات العمومية على تحويل هذه التصريحات والوعود إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.

آخر الأخبار