انتقادات لحصيلة الشغل والتعليم.. بركة يرتدي جلباب المعارضة داخل الأغلبية الحكومية
أثارت التصريحات الأخيرة للأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، نزار بركة، موجة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية بشأن طبيعة تموقعه داخل الأغلبية الحكومية، بعدما وجه انتقادات مباشرة لعدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها التشغيل والتعليم، في سياق يتسم بحساسية اجتماعية واقتصادية متزايدة.
ولم يتردد بركة، الذي يشغل منصبا وزاريا في الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش، في الإشارة إلى اختلالات بنيوية تعاني منها السياسات العمومية، معتبرا أن عددا من الأوراش لم يحقق بعد الأثر المنتظر على مستوى تحسين أوضاع المواطنين، خاصة في ما يتعلق بتعزيز القدرة الشرائية وتقليص معدلات البطالة.
وتأتي هذه المواقف امتدادا لانتقادات سابقة عبر عنها المسؤول الحزبي بخصوص برنامج دعم استيراد الأغنام، معتبرا أن الاستفادة منه انحصرت في فئة من كبار المستوردين دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على أسعار السوق، فضلا عن استمرار مظاهر الاحتكار والمضاربة في عدد من المواد الاستهلاكية، وهو ما عمق الضغط على الأسر المغربية.
وفي ما يتعلق بقطاع التعليم، شدد بركة خلال لقاء نظمته رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء، يوم أمس الثلاثاء على أن النقاش حول البرامج والمناهج لا ينبغي أن يظل حبيس المقاربة التقنية، لأن الإشكال الجوهري، بحسب تعبيره، يرتبط بمدى ثقة الشباب في أنفسهم وفي جودة التكوين الذي يتلقونه داخل المدرسة العمومية.
وكشف أن المغرب يخصص أكثر من 6.5 في المائة من ناتجه الداخلي الخام لقطاع التعليم، وهي نسبة مهمة مقارنة بعدد من الدول، غير أن ذلك لم يحل دون استمرار تحديات كبرى، من قبيل ارتفاع معدلات الهدر المدرسي، وتفاقم بطالة الشباب، خاصة حاملي الشهادات، إضافة إلى وجود نحو 1.5 مليون شاب خارج منظومة التعليم أو التكوين أو الشغل.
وأشار إلى أن تقليص الفوارق المجالية يظل أولوية ملحة، في ظل معطيات تظهر أن متوسط سنوات التمدرس لا يتجاوز 3.2 سنوات في الوسط القروي مقابل 7.9 سنوات في الوسط الحضري، وهو ما يعكس، بحسبه، الحاجة إلى إصلاح عميق يعيد الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص ويجعل المدرسة العمومية فضاء للإنصاف والارتقاء الاجتماعي، علما أن 80 في المائة من التلاميذ يتابعون دراستهم بها.
كما دعا إلى رد الاعتبار لنساء ورجال التعليم، ليس فقط عبر تحسين الأوضاع المادية، بل من خلال تعزيز المكانة المعنوية وتمكين الأستاذ من هامش أوسع للإبداع، مع تحفيز الأطر العاملة بالمناطق القروية والنائية، وتطوير التعليم الأولي، والاستثمار في مجالات حديثة كالذكاء الاصطناعي، فضلا عن الاهتمام بالصحة النفسية للأطفال والشباب في ظل تأثيرات الفضاء الرقمي.
وأكد بركة أن التكوين المهني ينبغي أن يُنظر إليه كخيار استراتيجي قادر على استيعاب طاقات الشباب، مستشهدا بتطور قطاعات صناعية واعدة تعتمد على كفاءات وطنية، ومشددا على أن بناء الأمم لا يقوم فقط على المشاريع الاقتصادية، بل يرتكز أساسا على ترسيخ الثقة في منظومة التربية والتكوين باعتبارها رافعة أساسية للتنمية.
وتفتح هذه التصريحات الباب أمام نقاش سياسي واسع حول انسجام مكونات الأغلبية الحكومية وحدود النقد من داخلها، بين من يعتبرها تعبيرا عن دينامية داخلية صحية، ومن يرى فيها مؤشرا على توتر خفي بشأن تقييم الحصيلة المرحلية للسياسات العمومية.