إصلاح التقاعد يشعل الجدل مجددا.. عجز متفاقم والنقابات ترفض المقاربة الأحادية

الكاتب : انس شريد

19 فبراير 2026 - 09:30
الخط :

لا يزال ملف إصلاح أنظمة التقاعد في المغرب يؤرق الطبقة الشغيلة ويثير موجة متجددة من الجدل السياسي والاجتماعي، في ظل مؤشرات رسمية تحذر من اختلالات مالية متفاقمة تهدد استدامة عدد من الصناديق على المدى المتوسط.

وبين ضغط الأرقام وتحفظات النقابات، يجد هذا الورش نفسه في قلب معادلة دقيقة تجمع بين ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية العمومية وضمان الحقوق المكتسبة للأجراء والمتقاعدين.

وتشير المعطيات الصادرة عن الجهات الرقابية، خاصة المجلس الأعلى للحسابات، إلى أن نظام المعاشات المدنية يواجه عجزًا تقنيًا متزايدًا بلغ، مع نهاية سنة 2024، ما يناهز 7,2 مليارات درهم، مع توقعات بنفاد احتياطاته في أفق سنة 2030 إذا لم تُتخذ إجراءات تصحيحية عاجلة.

ورغم تسجيل تحسن نسبي في المساهمات نتيجة الزيادات التي طالت أجور موظفي القطاع العام خلال سنتي 2024 و2025، فإن هذا التحسن لم يكن، حسب التقارير، كافيًا لإعادة التوازن إلى المنظومة، ما يعكس عمق الإشكال البنيوي المرتبط بارتفاع أمد الحياة وتراجع نسبة النشيطين مقارنة بعدد المتقاعدين.

في هذا السياق، عبرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن رفضها لما تصفه بالمقاربة الأحادية في تدبير الملف، خلال الاجتماع السادس للجنة التقنية المكلفة بملف التقاعد، المنعقد يوم الاثنين الماضي بمقر قطاع الادخار والاحتياط التابع لصندوق الإيداع والتدبير بالرباط، مؤكدة أن الإصلاح لا يمكن أن يُختزل في إجراءات بارامترية تهم سن الإحالة على التقاعد أو نسب الاقتطاع أو طريقة احتساب المعاش، دون معالجة شاملة لمختلف الاختلالات.

وترى النقابة، حسب خلاصات الاجتماع، أن أي تعديل يمس هذه العناصر بشكل منفصل قد يؤدي إلى تحميل الأجراء كلفة الإصلاح، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية بفعل ارتفاع الأسعار وتزايد الأعباء المعيشية.

ومن أبرز النقاط التي ركزت عليها الكونفدرالية خلال الاجتماع اعتراضها على المرسوم رقم 2.20.935 الصادر في 27 يوليوز 2021، والذي تعتبر أنه مر خارج مؤسسة الحوار الاجتماعي والمسار التشريعي المعتاد.

وتؤكد أن هذا المرسوم أسهم في تقليص نسب إعادة تقييم المعاشات، التي لم تتجاوز 0,8 في المائة سنة 2025، معتبرة أن هذا المستوى لا يواكب التحولات الاقتصادية ولا يعكس الارتفاع الفعلي في كلفة المعيشة، ما أدى إلى تراجع ملموس في القدرة الشرائية للمتقاعدين.

كما تنتقد النقابة ما تصفه بفصل وعاء الاقتطاع عن وعاء الاحتساب، معتبرة أن هذا التوجه يخلق فجوة بين حجم المساهمات التي يؤديها المنخرطون وطريقة احتساب معاشاتهم لاحقًا، وهو ما يمس بمبدأ العدالة والشفافية داخل النظام.

 

وتطالب، في هذا الصدد، بمراجعة قواعد الاحتساب بما يضمن وضوحًا أكبر للحقوق المكتسبة والمستقبلية، إلى جانب تمكين ممثلي الأجراء من دور أوسع داخل أجهزة الحكامة، باعتبارهم الممولين الرئيسيين للصناديق.

ولا تفصل الكونفدرالية بين إصلاح التقاعد وسياسات التشغيل، إذ ترى أن توسيع قاعدة المنخرطين عبر الرفع من وتيرة التوظيف في المؤسسات العمومية والجماعات الترابية، وإدماج فئات من الأجراء غير المنخرطين حاليًا، يشكل مدخلًا أساسيًا لتحسين التوازنات دون اللجوء إلى إجراءات تمس المكتسبات.

كما تدعو إلى توحيد نسب الاشتراكات بما يضمن عدالة أكبر بين مختلف الفئات، ومعالجة إشكالية الاقتطاعات المزدوجة والمساهمات غير المؤداة قبل الإقدام على أي تعديلات جديدة.

في المقابل، أكدت الحكومة الحالية، برئاسة عزيز أخنوش، أن الإصلاح بات ضرورة ملحة لتفادي سيناريوهات أكثر كلفة في المستقبل، مشددة على أن استمرار الوضع الحالي يهدد ليس فقط استدامة الصناديق، بل أيضًا استقرار المالية العمومية في ظل ارتفاع النفقات الاجتماعية والاستثمارية.

وبين تشبث النقابات بحماية الحقوق وحرص الحكومة على ضمان التوازنات المالية، يتأكد أن إصلاح التقاعد في المغرب لم يعد مجرد ملف تقني، بل تحول إلى رهان اجتماعي وسياسي بامتياز.

آخر الأخبار