قطاع حيوي ينهار بصمت.. مستقبل 1.5 مليون طفل يضغط على الوزير برادة
يعيش قطاع التعليم الأولي في المغرب وضعا دقيقا يطبعه التوتر الاجتماعي والمهني، في ظل استمرار معاناة أساتذته ومربياته من ظروف عمل صعبة لا تعكس أهمية الدور الذي يضطلعون به داخل المنظومة التربوية.
فهذه الفئة، التي تشكل الحلقة الأولى في مسار بناء التعلمات الأساسية لدى الأطفال، تجد نفسها أمام واقع مهني يتسم بضعف الأجور وغياب الاستقرار، مقابل حجم كبير من المسؤوليات التربوية والنفسية.
ويؤدي هذا التناقض بين قيمة الرسالة التربوية وهشاشة الوضعية المهنية إلى حالة من الإحباط المتزايد، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تفرض تحديات إضافية على العاملين في القطاع، وتجعلهم أكثر عرضة للهشاشة الاجتماعية.
ولا تقتصر معاناة أساتذة ومربيات التعليم الأولي على الجانب المادي، بل تمتد إلى غياب الضمانات الاجتماعية الأساسية، مثل التغطية الصحية والتقاعد والاستقرار الوظيفي، مما يجعل مستقبلهم المهني محفوفاً بالغموض وعدم اليقين.
في هذا السياق، وجهت المنظمة الديمقراطية للتعليم الأولي والطفولة المبكرة نداء استغاثة إلى الحكومة والقطاعات المعنية، محذرة من خطر انهيار يهدد هذا القطاع الحيوي، في ظل ما وصفته بتفاقم الاختلالات البنيوية التي تؤثر على استقراره.
وأكدت المنظمة أن الأزمة الحالية لا تقتصر على الجانب المهني للعاملين، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على أكثر من 1.5 مليون طفل، خاصة في المناطق الشعبية والقروية، حيث يشكل التعليم الأولي فرصة أساسية لاكتساب المهارات الأولى وتعزيز فرص النجاح المدرسي. وأشارت إلى أن أي تراجع في هذا القطاع ستكون له تداعيات واسعة على مستقبل الطفولة بالمغرب وعلى جودة الرأسمال البشري.
وسلطت الهيئة النقابية الضوء على الوضعية المهنية الصعبة التي تعيشها عشرات الآلاف من المربيات، اللواتي يشتغلن في ظروف تتسم بالهشاشة وغياب العدالة الأجرية، رغم الدور المحوري الذي يقمن به في تأطير الأطفال خلال مرحلة حاسمة من نموهم.
وأوضحت أن هذه الفئة لا تستفيد بشكل كامل من منظومة الحماية الاجتماعية، مما يعمق هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية، ويجعلها في مواجهة مباشرة مع مخاطر الفقر وعدم الاستقرار. كما اعتبرت أن استمرار هذا الوضع من شأنه أن يضعف جاذبية المهنة ويؤثر سلباً على جودة الخدمات التربوية المقدمة للأطفال.
وتحذر المنظمة من أن استمرار هذه الاختلالات قد يؤدي إلى تفاقم أزمة الرعاية التربوية للأطفال، ويؤثر على مسارهم الدراسي في المستقبل، بالنظر إلى أن التعليم الأولي يشكل مرحلة حاسمة في تنمية القدرات المعرفية والاجتماعية.
كما نبهت إلى أن غياب محاضن تربوية مستقرة وآمنة قد ينعكس سلباً على الأسر، خاصة الأمهات العاملات، اللواتي يعتمدن على هذه المؤسسات لضمان توازن حياتهن المهنية والأسرية، مما يجعل إصلاح هذا القطاع ضرورة اجتماعية واقتصادية في آن واحد.
وفي المقابل، تشير المعطيات الرسمية، التي سبق أن قدمها مؤخرا هشام آيت منصور، مدير الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أن نسبة تعميم التعليم الأولي، خلال مداخلته في الندوة الدولية حول “التعليم الأولي: السياسات، الممارسات واستراتيجيات التطوير” أن نسبة تعميم التعليم الأولي بلغت 70.4 في المائة، مسجلة تقدماً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الماضية، خاصة في الوسط القروي الذي شهد توسعاً مهماً في العرض التربوي.
وأكد هشام آيت منصور، أن هذا التطور يعكس الجهود المبذولة لتوسيع الولوج إلى التعليم الأولي، غير أنه لا يخفي استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تؤثر على جودة التعلمات وتكافؤ الفرص بين الأطفال.
وأوضح آيت منصور أن الميزانية المخصصة للتعليم الأولي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من مليار درهم إلى ثلاثة مليارات درهم، في إطار دعم تعميم هذا المستوى التعليمي وتعزيز بنياته.
كما أظهرت نتائج التقييم أن مستوى تعلمات الأطفال بلغ معدلاً يفوق العتبة المتوسطة،حسب المتحدث ذاته، غير أن الفوارق لا تزال قائمة بين الوسطين الحضري والقروي، وهو ما يعكس تأثير الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر على جودة التعلمات، ويبرز الحاجة إلى معالجة شاملة لهذه الاختلالات.
كما انتقل هذا الملف الشائك إلى قبة البرلمان، حيث سبق أن حذر النائب البرلماني عن الحركة الشعبية محمد أوزين، استمرار هشاشة الوضعية المهنية لأساتذة ومربيات التعليم الأولي، رغم الدور الحاسم الذي يقومون به في بناء الأسس الأولى لتعليم الأطفال.
وأكد في سؤاله الكتابي الموجه إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، أن ضعف الأجور التي لا تتجاوز 3 آلاف درهم وغياب الاستقرار المهني لا ينسجمان مع الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع، داعيا إلى ضرورة تسوية وضعية هذه الفئة وضمان حقوقها المهنية والاجتماعية، بما يعزز استقرارها ويمكنها من أداء مهامها في ظروف ملائمة.
وأشار أوزين إلى أن استمرار تدبير هذا القطاع عبر صيغ غير مستقرة يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة التربوية على تحقيق أهدافها الإصلاحية، خاصة في ظل التوجيهات الرامية إلى جعل التعليم الأولي رافعة أساسية لتطوير التعليم.
كما اعتبر أن تحسين أوضاع العاملين في هذا المجال يشكل خطوة أساسية لضمان جودة التأطير التربوي، وتعزيز فرص نجاح الأطفال في مسارهم الدراسي.
وفي ظل هذه المعطيات، يتزايد الوعي بأهمية اتخاذ إجراءات عملية لضمان استقرار قطاع التعليم الأولي، من خلال تحسين الظروف المهنية والاجتماعية للعاملين فيه، وتعزيز جودة التأطير التربوي، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
وتؤكد التنسيق الثلاثي لأساتذة التعليم الأولي، الذي يضم نقابان FNE والاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، نظم مؤخرا وقفة احتجاجية وطنية أمام البرلمان، أن مستقبل المنظومة التربوية يظل مرتبطاً بمدى قدرة السياسات العمومية على معالجة الاختلالات التي يعاني منها التعليم الأولي، وضمان استقراره وتطويره بما ينسجم مع التحولات المجتمعية ومتطلبات التنمية.
معتبرين أن عدم توفير بيئة مهنية مستقرة للأطر التربوية، وضمان جودة الخدمات المقدمة للأطفال، سيظل هذا القطاع عرضة للهشاشة، وهو ما قد ينعكس سلبا على جودة التعليم وعلى فرص تحقيق تنمية بشرية مستدامة.