باب العلو بالرباط...شاهد على قرون من التحول
أمينة المستاري
في الجنوب الشرقي من المدينة العتيقة للرباط، ينتصب باب العلو بهيبته الصامتة، كحارس يراقب توالي القرون وتبدل الدول.
هو ليس مجرد منفذ في سور عتيق، بل بوابة لذاكرة مدينة عرفت كيف تحفظ روحها بين زرقة الأطلسي وجريان أبي رقراق، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في مشهد واحد.
شيد الباب في أواخر القرن الثاني عشر، خلال عهد الدولة الموحدية، ويرجح أن بناءه تم في زمن الخليفة يعقوب المنصور، الذي حول الرباط إلى قاعدة استراتيجية وعسكرية كبرى، وجعل من مشروعها العمراني جزءا من رؤية سياسية واسعة تروم ترسيخ القوة والهيبة.
في تلك المرحلة، لم تكن الأبواب مجرد فتحات في الجدران، بل كانت مفاصل حيوية في جسد المدينة: نقاط مراقبة، ومواقع دفاع، وأدوات لتنظيم الحركة التجارية والعسكرية بين الداخل والخارج.
يعكس باب العلو روح العمارة الموحدية القائمة على الصرامة والوضوح؛ قوة في الكتلة، وبساطة في الزخرفة، ووظيفة تتقدم على كل اعتبار جمالي. مدخله منكسر، وهي تقنية دفاعية ذكية تجبر الداخل على الانعطاف بدل المرور في خط مستقيم، ما يمنح الحراس أفضلية استراتيجية في الرصد والتصدي.
وقد بني بالحجر المنحوت بعناية، دون إفراط في الزينة، في انسجام تام مع الطابع العسكري لذلك العصر الذي كانت فيه المدينة حصنا قبل أن تكون فضاء عمرانيا مفتوحا.
ورغم بساطته الظاهرة، يحمل الباب هيبة واضحة؛ قوسه العريض وجدرانه السميكة يوحيان بأن العبور لم يكن يوما فعلا عابرا، بل عملية مضبوطة بإيقاع السلطة والحراسة.
كان موقعه يتحكم في أحد المحاور المؤدية إلى خارج الأسوار، ما جعله شاهدا على حركات القوافل والجنود، وعلى تحولات الرباط من معسكر محصن إلى حاضرة مزدهرة.
ولا يبتعد الباب كثيرا عن صومعة حسان وضريح محمد الخامس، ما يجعله جزءا من مجال رمزي وتاريخي بالغ الأهمية في العاصمة، هذا القرب المكاني يختصر مسافة زمنية طويلة: من موحدية تؤسس للتحصين وبناء الدولة، إلى مرحلة حديثة تؤكد الاستمرارية والسيادة في قلب الرباط.
لم يعد باب العلو اليوم نقطة تفتيش عسكرية، بل صار معبرا يوميا يعبره المارة والسيارات في هدوء، بعد أن خضع لعمليات ترميم ضمن برامج تأهيل المدينة العتيقة، مع الحفاظ على بنيته الأصلية وملامحه التاريخية، تحيط به حركة العصر المتسارعة، غير أنه يظل محتفظا بوقاره، كأن الحجر نفسه يتأمل المدينة وهي تتجدد دون أن تتنكر لذاكرتها.
باب العلو ليس حجرا صامتا، بل ذاكرة قائمة في هيئة معمار، فكل قوس فيه يروي حكاية، وكل حجر يحمل أثرا من زمن كانت فيه الأسوار عنوان هيبة وسيادة، قبل أن تصبح مجرد حدود للجغرافيا.