هل تطوي الدار البيضاء صفحة الترامي على أملاك الدولة؟
تشهد مدينة الدار البيضاء خلال الأشهر الأخيرة دينامية ميدانية متسارعة لاسترجاع أملاك الدولة وتحرير مساحات من الملك العمومي ظلت، لسنوات طويلة، تحت تصرف مستغلين دون سند قانوني واضح، في خطوة اعتبرها متابعون تحولا نوعيا في طريقة تدبير هذا الملف الذي ظل يراوح مكانه لعقود.
وتأتي هذه التحركات في سياق خطاب رسمي حازم شدد على ضرورة القطع مع كل أشكال الترامي على العقارات العمومية، سواء تعلقت بأملاك جماعية أو مخزنية أو بمشاريع ذات طابع تنموي.
وكان وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت قد وجه قبل فترة رسالة قوية حملت إشارات واضحة إلى أن مرحلة التساهل مع المعتدين على المال العام قد انتهت، مؤكدا أن كل من استولى على أرض أو استفاد من مبالغ دون وجه حق سيكون مطالبا بإرجاعها، طوعا أو وفق المساطر القانونية المعمول بها.
هذا الخطاب، الذي خص بالذكر العاصمة الاقتصادية، فُهم على نطاق واسع باعتباره إعلان بداية مرحلة جديدة عنوانها ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفعيل آليات المراقبة لاستعادة كل شبر من الأراضي العمومية التي تم الاستيلاء عليها بطرق ملتوية.
ورغم محاولات بعض الأطراف حصر مضمون الرسالة في حالات محدودة مرتبطة ببقايا طرق أو تجزئات سكنية، فإن القراءة الشاملة لمضامينها تكشف أنها تستهدف كل أشكال الاستغلال غير المشروع للملك العام، دون تمييز بين نوعية العقار أو الجهة المالكة له.
ميدانيا، باشرت السلطات المحلية بعدد من مقاطعات المدينة عمليات لتحرير عقارات تابعة للأملاك المخزنية، من بينها أراض كانت تستغل كمستودعات ومحلات لبيع مواد البناء بمنطقة عين الشق، إضافة إلى مستودعات بمنطقة سيدي البرنوصي ظلت موضوع استغلال طويل الأمد دون تسوية قانونية.
وقد جرى تنفيذ قرارات الإفراغ وهدم البنايات العشوائية بعد إشعارات سابقة، في إطار تفعيل القوانين المنظمة للملك العمومي، وبهدف إعادة توظيف هذه العقارات في مشاريع تتماشى مع وثائق التعمير والرؤية الحضرية للمدينة.
كما امتدت الحملات إلى فضاءات أخرى ظلت لسنوات خارج الضبط الفعلي، حيث أكدت مصادر "الجريدة 24" من داخل جماعة الدار البيضاء أن عمليات مماثلة ستشمل نقاطا جديدة خلال الأسابيع القليلة المقبلة، في إطار مقاربة شمولية تروم توحيد طرق تدبير الأملاك العمومية، وإنهاء الوضعيات غير القانونية التي راكمت تعقيدات إدارية وقضائية.
ويأتي ذلك بالتوازي مع مطالب متكررة من فعاليات سياسية خاصة المصطفة في المعارضة من بينها فريق العدالة والتنمية بضرورة نشر لوائح واضحة للعقارات المسترجعة، وتقديم توضيحات للرأي العام بشأن مآلها وطبيعة المشاريع المزمع إقامتها فوقها.
كما سبق أن أكد مصطفى الحيا، عضو فريق العدالة والتنمية بمجلس مدينة الدار البيضاء، خلال أشغال الدورة العادية للمجلس على ضرورة التحرك الفعلي لاسترجاع أملاك الجماعة التي لا تزال في حوزة بعض الشركات والمنعشين العقاريين، بالإضافة إلى تثمين العقارات المكتراة بأثمنة بخسة.
في المقابل، تترقب عدد من الفعاليات المدنية ما إذا كانت هذه الحملة ستطال جميع الملفات العالقة دون استثناء، أم أنها ستتوقف عند حدود معينة.
وبين دينامية الاسترجاع وأسئلة المآل، تبدو مدينة الدار البيضاء أمام فرصة لإعادة ترتيب مجالها الحضري وتصحيح اختلالات تراكمت عبر سنوات.