باب المريسة...بوابة بحرية حمت مجد سلا المريني
أمينة المستاري
تشكل أبواب مدينة سلا جزءا أساسيا من تاريخها العمراني والحضاري، إذ لم تكن مجرد مداخل لعبور الناس، بل عناصر دفاعية وتنظيمية تعكس طبيعة المدينة ووظيفتها عبر العصور.
فقد ارتبطت هذه الأبواب بالأسوار التي أحاطت بالمدينة لحمايتها من الأخطار الخارجية، كما كانت تتحكم في حركة الدخول والخروج، وتؤدي دورا مهما في مراقبة النشاط التجاري والبحري، خاصة بحكم موقع سلا القريب من مصب وادي أبي رقراق.
وقد شهدت هذه الأبواب عناية كبيرة من قبل السلاطين الذين تعاقبوا على حكم المغرب، لاسيما خلال العصر المريني، حين عرفت المدينة مرحلة من التحصين والتوسع العمراني.
وإلى جانب وظيفتها الدفاعية، تميزت أبواب سلا بطابع معماري وفني يعكس مهارة البنائين والحرفيين، حيث زينت بالزخارف الحجرية والنقوش الكتابية، وأقيمت إلى جانبها أبراج وممرات للحراسة.
وبمرور الزمن، تحولت هذه الأبواب إلى شواهد تاريخية حية تختزن ذاكرة المدينة، وتروي فصولا من تاريخها السياسي والعسكري والاقتصادي، مما يجعلها اليوم جزءا من التراث المعماري الذي يعكس هوية سلا ومكانتها في تاريخ المغرب.
باب المريسة من أبرز المعالم التاريخية بمدينة سلا، وهو باب أثري ارتبط بفترة ازدهار الدولة المرينية في المغرب.
فقد شيد بأمر السلطان المريني أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق ما بين سنتي 1270 و1280م، وتشير المصادر التاريخية إلى أن السلطان شارك بنفسه في متابعة أعمال البناء، في مرحلة كانت تهدف إلى تعزيز تحصينات المدينة وتنظيم مرافقها البحرية بعد الأحداث التي عرفتها سلا في القرن الثالث عشر.
ارتبط تشييد الباب بإعادة بناء الأسوار الدفاعية للمدينة، خاصة بعد الهجوم الذي تعرضت له سلا سنة 1260م خلال يوم عيد الفطر، وهو الحدث الذي دفع السلطان إلى تحصين المدينة وإغلاق الثغرات التي كانت تسمح باختراق أسوارها.
وتشير بعض الروايات، التي نقلها المؤرخ أحمد بن خالد الناصري، إلى أن تصميم المشروع أشرف عليه المعلم الأندلسي محمد بن علي، القادم من إشبيلية، والذي كان من أمهر البنائين في عصره.
لم يكن باب المريسة مجرد مدخل للمدينة، بل ارتبط بوظيفة بحرية وعسكرية مهمة؛ إذ كان يطل على ميناء محمي استعمل خلال العصر المريني كورشة لبناء السفن الحربية، وكان هذا الميناء متصلا بنهر وادي أبي رقراق عبر قناة مائية تسمح بمرور القوارب إلى الحوض الداخلي، فكانت السفن تدخل هذا الفضاء عبر قوس ضخم يشكل قلب الباب، وهو ما يفسر تسمية "المريسة" أي المرسى الصغير الذي ترسو عنده المراكب.
من الناحية المعمارية، يتميز الباب بواجهة حجرية مزينة بنقوش كتابية وزخارف نباتية دقيقة، تعكس مستوى الإبداع الفني في العمارة المرينية، ويتوسطه قوس كبير على شكل حدوة حصان منكسر، يبلغ عرضه نحو تسعة أمتار، بينما يصل ارتفاعه إلى ما يقارب 9.60 أمتار، ويحيط بالقوس برجان مستطيلان يبرزان عن الواجهة بحوالي 2.20 متر، ويصل عرض كل منهما إلى نحو 3.50 أمتار، وقد خصصا لتعزيز الوظيفة الدفاعية للبوابة.
أما داخل البنية المعمارية للباب، فقد صممت فضاءات متعددة لخدمة الحراسة والدفاع. ففي الطابق السفلي توجد قاعات مغطاة بقبوات أسطوانية، بينما تقود سلالم داخلية إلى ممرات الحرس في الأعلى، حيث تنتشر فتحات للرمي تسمح بمراقبة القناة المؤدية إلى الميناء، كما تضم الأبراج غرفا للرماة تعلوها قبب تستند إلى مثلثات ركنية، وقد صممت فتحاتها بزاوية مائلة نحو الخارج لتأمين حماية أفضل للممر المائي في حال وقوع خطر.
اكتسب باب المريسة أهمية تاريخية إضافية في العهد المريني، إذ انطلقت منه سنة 1285م حملة بحرية أرسلها السلطان أبو يعقوب يوسف الناصر نحو مدينة الجزيرة الخضراء في جنوب الأندلس، حيث أبحر أسطول يتكون من عشرات السفن الحربية انطلاقا من هذا الميناء.
ومع مرور الزمن تغيرت معالم المكان؛ فقد انحسر مجرى وادي أبي رقراق بعيدا عن الباب، واختفت المظاهر البحرية التي كانت تحيط به، لتحل محلها طرق وجسور تربط اليوم بين مدينتي الرباط وسلا.
ورغم ذلك، ظل باب المريسة شاهدا معماريا وتاريخيا بارزا يختزل مرحلة مهمة من تاريخ المدينة ودورها البحري والعسكري في العصر المريني.