جدل مدارس الريادة يتصاعد.. بين إشادة الحكومة وانتقادات المعارضة لشفافية التقييم
لا يزال مشروع “مدارس الريادة” يفرض حضوره في واجهة النقاش العمومي والتربوي بالمغرب، في ظل تزايد وتيرة الجدل حول حصيلته الأولية ومدى قدرته على تحقيق التحول المنشود داخل المدرسة العمومية، بين خطاب حكومي يؤكد نجاح التجربة في تحسين التعلمات الأساسية، وأصوات معارضة تحذر من اختلالات بنيوية وتدبيرية قد تعيق بلوغ أهدافه الاستراتيجية.
ويأتي هذا الجدل في سياق إصلاحي أوسع تسعى من خلاله الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات المنظومة التعليمية، عبر التركيز على جودة التعلمات وتقليص الفوارق بين التلاميذ، حيث تعتبر “مدارس الريادة” أحد أبرز مداخل هذا الإصلاح.
وفي هذا الإطار، شدد رئيس الحكومة عزيز أخنوش على أن المشروع لا يندرج ضمن مبادرة تقنية معزولة، بل يمثل خيارا استراتيجيا يروم إعادة الثقة في المدرسة العمومية، مؤكدا أن المؤشرات الأولية أبانت عن تحسن ملموس في مستوى اكتساب الكفايات الأساسية لدى التلاميذ.
وخلال افتتاح أشغال الدورة الثانية لليوم الوطني للمدرس، اليوم الأربعاء، أوضح المسؤول الحكومي أن خريطة الطريق التي اعتمدتها الحكومة وضعت المدرسة والمدرس والتلميذ في صلب عملية الإصلاح، معتبرا أن هذا التوجه يعكس إرادة سياسية لتحمل مسؤولية إصلاح التعليم بعيدا عن الحسابات الظرفية.
كما كشف أن البرنامج شمل خلال الموسم الدراسي 2025/2026 أزيد من 4600 مؤسسة تعليمية ابتدائية، تضم حوالي مليوني تلميذ وتلميذة، إلى جانب تعبئة واسعة للأطر التربوية، مع التزام بتسريع وتيرة التعميم خلال السنوات المقبلة.
ووفق المعطيات الرسمية التي قدمها رئيس الحكومة، يرتقب أن تصل نسبة تعميم المشروع إلى 75 في المائة خلال الموسم الدراسي المقبل، على أن يشمل كافة المدارس الابتدائية في أفق 2027/2028، في خطوة تراهن عليها الحكومة لضمان تكافؤ الفرص بين المتعلمين بمختلف جهات المملكة.
كما تم توسيع نطاق المشروع، حسب المتحدث ذاته، ليشمل السلك الإعدادي عبر مئات المؤسسات، بما يعزز، حسب التصور الحكومي، انسجام الإصلاح التربوي واستمرارية المقاربة البيداغوجية المعتمدة.
في المقابل، لم تخفت حدة الانتقادات الموجهة إلى هذا الورش، حيث يثير عدد من الفاعلين التربويين والبرلمانيين تساؤلات متزايدة حول كيفية تنزيل المشروع على أرض الواقع، خاصة في ما يتعلق بجوانب الحكامة والشفافية وتدبير الموارد المالية.
وقد انتقلت هذه التساؤلات من النقاشات التربوية المتخصصة إلى قبة البرلمان، حيث سبق أن وجه النائب البرلماني عبد الله بوانو سؤالا كتابيا إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، مطالبا بتوضيحات بشأن إسناد مهمة تقييم المشروع إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية.
ويستند هذا التساؤل إلى اعتبار أن تقييم السياسات العمومية في مجال التعليم يندرج، من الناحية المؤسساتية، ضمن اختصاصات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهو ما يطرح، بحسب منتقدي هذا التوجه، إشكالية تداخل الاختصاصات بين الهيئات الوطنية، واحترام الأدوار المحددة قانونا لكل مؤسسة.
كما يرى البعض أن اللجوء إلى مؤسسات خارج الإطار التربوي المباشر قد يعكس نوعا من فقدان الثقة في الآليات الوطنية القائمة.
وتعززت هذه الانتقادات مع تداول معطيات إعلامية تشير إلى تخصيص اعتمادات مالية مهمة لعمليات مرتبطة بتقييم المشروع، تشمل دراسات ميدانية وعمليات تدقيق في نتائج التلاميذ، فضلا عن إعداد مؤشرات لمنح “شارة الريادة” للمؤسسات التعليمية.
وتقدر هذه الاعتمادات، بحسب ما أثير في النقاش العمومي، بمليارات السنتيمات، وهو ما اعتبره منتقدون مؤشرا على احتمال عدم ترشيد النفقات العمومية، خاصة في ظل توفر مؤسسات وطنية تمتلك الخبرة والكفاءة لإنجاز مثل هذه المهام.
وفي السياق ذاته، يثير اللجوء إلى مكاتب دراسات خاصة، بما في ذلك مؤسسات أجنبية في بعض الحالات، تساؤلات إضافية حول جدوى هذه الاختيارات، ومدى انسجامها مع مبدأ السيادة التربوية، حيث يحذر بعض المتابعين من أن هذا التوجه قد يفتح المجال أمام منح “شهادات تقييم” خارج الإطار المؤسساتي الوطني، بما قد يؤثر على مصداقية نتائج التقييم واستقلاليتها.
وعلى المستوى الميداني، لم تخل عملية تنزيل المشروع من صعوبات تنظيمية أثارت بدورها نقاشا واسعا، حسب ما تطرقت له مرارا المعارضة البرلمانية، من بينها تسجيل خصاص في المقررات الدراسية خلال بداية الموسم الدراسي، وظهور ممارسات مرتبطة بالمضاربة في الكتب المدرسية، إضافة إلى اختلالات في تنظيم فروض المراقبة المستمرة والامتحانات داخل بعض المؤسسات المعنية.
وهي مؤشرات يعتبرها منتقدو المشروع دليلا على وجود فجوة بين التصور النظري للإصلاح وواقع التطبيق داخل الفصول الدراسية.