الدورة الأخيرة للبرلمان.. مخاوف من تمرير قوانين ثقيلة دون تمحيص
تتجه الأنظار في المغرب إلى المؤسسة التشريعية مع اقتراب موعد استئناف أشغال البرلمان في العاشر من أبريل المقبل، في سياق سياسي دقيق يطغى عليه العد التنازلي للانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026.
ويُنظر إلى هذه الفترة على أنها محطة مفصلية، تدفع مختلف الفاعلين السياسيين إلى تسريع وتيرة العمل وإبراز حصائل واضحة قبل انتهاء الولاية الحالية للحكومة التي يقودها عزيز أخنوش، وسط ضغط متصاعد لتقديم نتائج ملموسة على المستوى التشريعي والاجتماعي.
وتدخل الحكومة مرحلة وصفها العديد من المراقبين بـ”مرحلة الحسم”، إذ تجد نفسها مطالبة بتسريع إنجاز التزاماتها التشريعية وتمرير حزمة من القوانين التي طال انتظارها، في ظرف زمني محدود لا يتجاوز خمسة أشهر تقريبا.
وتعتبر هذه المهلة قصيرة نسبياً بالنظر إلى طبيعة النصوص المطروحة، التي تتسم بالحساسية والتأثير المباشر على مختلف مناحي الحياة العامة، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الحقوقي.
ويفرض هذا السياق على العمل البرلماني إيقاعاً غير مسبوق، حيث تتقاطع الأدوار التشريعية مع المهام الرقابية، في لحظة سياسية دقيقة تتحول فيها الدورة الأخيرة من الولاية التشريعية إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة البرلمان على التوفيق بين سن القوانين ومساءلة العمل الحكومي، في ظل ارتفاع توقعات الرأي العام بخصوص جودة التشريعات ونجاعتها.
وتتصدر مراجعة مدونة الأسرة قائمة النصوص القانونية المرتقبة، إذ تعتبر من أبرز الملفات الاجتماعية التي تثير حساسية خاصة، نظراً لارتباطها ببنية الأسرة المغربية وتحولاتها. ومن المتوقع أن تفتح هذه المراجعة نقاشا مجتمعيا واسعا داخل البرلمان وخارجه، في ظل تباين المواقف بين من يدعون إلى توسيع دائرة الحقوق والحريات الفردية، وبين من يتمسكون بالمرجعيات التقليدية التي تراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع.
وتشمل مقترحات تعديل مدونة الأسرة عدة محاور أساسية، أبرزها مراجعة سن الزواج بهدف الحد من زواج القاصرات، وإعادة النظر في شروط التعدد لضمان حماية أكبر للحقوق الأسرية، وتعزيز المساواة في المسؤوليات داخل الأسرة، إلى جانب تبسيط مساطر الطلاق بما يحفظ كرامة الطرفين ويحد من النزاعات القضائية الطويلة.
كما تُطرح آليات لتطوير الوساطة الأسرية، وإدماج مقاربات حديثة تراعي التحولات الاجتماعية والاقتصادية، مع الحفاظ على التوازن بين الثوابت الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.
ولا تقتصر رهانات المرحلة على مدونة الأسرة، إذ تمتد إلى مشاريع قوانين أخرى مهمة، من بينها مراجعة المنظومة الجنائية، وتأطير مهن العدالة مثل المحاماة والخبراء القضائيين، وتحديث القوانين المرتبطة بالتعمير وتنظيم المهن القانونية كالعدول، وغيرها.
وقد ظلت هذه النصوص موضوع نقاش طويل خلال الولاية الحالية، قبل أن تُطرح على البرلمان في توقيت يثير تساؤلات حول دوافع التسريع في المصادقة عليها.
ومن المتوقع أن تشهد قبة البرلمان نقاشات حادة بين مكونات الأغلبية والمعارضة، خاصة في ظل الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن ما تعتبره المعارضة “تمريراً سريعاً” لمجموعة من القوانين دون إشراك كافٍ لمختلف الفاعلين أو فتح نقاش عمومي يتيح معالجة الاختلالات المطروحة.
وتشير الكواليس البرلمانية داخل أحزاب المعارضة إلى وجود تخوف من أن يؤدي الضغط الزمني إلى تمرير النصوص دون تمحيص كافٍ، مما قد يؤثر سلباً على جودة القوانين ونجاعتها عند التطبيق.
ويرى نواب المعارضة أن السياق الحالي قد يغذي منطق الأغلبية العددية، الذي يُوظف لتمرير بعض النصوص دون الاستماع الكافي لمقترحات التعديل المقدمة من المعارضة.
وتبرز هذه المخاوف خصوصاً في ظل ما يصفه المراقبون بضعف الحضور الحكومي داخل المؤسسة التشريعية، سواء أثناء مناقشة مشاريع القوانين أو خلال جلسات المساءلة الأسبوعية، وهو ما يفرغ النقاش من عمقه المؤسساتي ويحد من دينامية التفاعل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ويطرح هذا الواقع تحدياً أساسياً للمؤسسة البرلمانية المغربية، إذ لم يعد مجرد سن القوانين كافياً لضمان تماسك الدولة ومصداقية العمل التشريعي، بل أصبح من الضروري تحقيق توازن دقيق بين السرعة في الإنجاز والجودة في التطبيق، بما يعكس التزام المغرب بمبدأ الحكامة الجيدة ويضمن حماية الحقوق والمصالح العامة للمواطنين.
وفي هذا الإطار، تبدو الدورة الأخيرة للبرلمان أمام امتحان حقيقي، حيث سيتعين على المنتخبين والمشرعين تحقيق التوازن بين استكمال الأوراش القانونية الكبرى والوفاء بتطلعات المواطنين، مع الحرص على أن لا تتحول الحاجة إلى السرعة إلى مبرر لتجاوز إجراءات التدقيق والمناقشة الضرورية لضمان سن تشريعات فعالة ومستدامة.