تفاوت الفضاءات الخضراء يعمق الفوارق بين مقاطعات الدار البيضاء ويثير جدلا سياسيا

الكاتب : انس شريد

06 أبريل 2026 - 10:00
الخط :

تتزايد حدة النقاش العمومي بمدينة الدار البيضاء حول واقع الفضاءات الخضراء في ظل التحولات العمرانية المتسارعة التي تشهدها العاصمة الاقتصادية للمملكة، وهو نقاش أعاد إلى الواجهة إشكالية التوازن بين متطلبات التوسع الحضري وضرورة الحفاظ على جودة العيش والحق في بيئة سليمة.

وفي خضم هذا الجدل، وُجهت انتقادات متزايدة إلى تدبير الشأن المحلي، خاصة في ما يتعلق بتفاوت توزيع المساحات الخضراء بين مختلف المقاطعات، وهو ما وضع مجلس الجماعة، برئاسة نبيلة الرميلي، إلى جانب الجهات المنتخبة، تحت ضغط المساءلة السياسية والمجتمعية.

وتعد الدار البيضاء القلب الاقتصادي النابض للمغرب، ما يجعلها وجهة رئيسية للاستثمارات ومركزًا لاستقطاب اليد العاملة، غير أن هذا الزخم التنموي المتواصل لم يُواكَب، بحسب عدد من الفاعلين، بسياسات حضرية كفيلة بضمان توازن بيئي يحفظ للمدينة طابعها القابل للعيش.

فقد أفرزت وتيرة التوسع العمراني، مدفوعة بالطلب المتزايد على العقار، واقعًا حضريًا متباينًا، حيث برزت أحياء استفادت من مشاريع تهيئة حديثة تشمل حدائق ومتنزهات، في مقابل مناطق أخرى، خاصة ذات الكثافة السكانية المرتفعة، لا تزال تعاني خصاصًا واضحًا في الفضاءات الخضراء.

هذا التفاوت المجالي أضحى مصدر قلق متنامٍ لدى الساكنة، التي ترى فيه مؤشرًا على غياب العدالة في توزيع التجهيزات الأساسية، ويعكس، في نظر متتبعين، اختلالات في برمجة المشاريع الحضرية وفي آليات تتبع تنفيذها.

كما يثير تساؤلات حول مدى احترام التوازن بين الاستغلال العقاري والحفاظ على الوعاء المخصص للمرافق العمومية، في ظل ما يعتبره البعض زحفًا عمرانيًا يتم على حساب المساحات الخضراء.

وفي سياق متصل، دخل البرلمان على خط هذا الجدل، حيث وجهت النائبة البرلمانية لبنى الصغيري، عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، سؤالًا كتابيًا إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، دعت من خلاله إلى توضيح الرؤية الحكومية بخصوص تدبير الفضاءات الخضراء بالعاصمة الاقتصادية.

وأبرزت في سؤالها أن المدينة، رغم مكانتها الاقتصادية، تشهد تراجعًا مقلقًا في هذه الفضاءات، سواء من حيث المساحة أو من حيث توزيعها وجودة تهيئتها، ما يكرّس الفوارق المجالية ويؤثر على جودة الحياة الحضرية.

وأكدت النائبة البرلمانية أن عددًا من الأحياء، خاصة ذات الكثافة المرتفعة، تعاني نقصًا حادًا في هذا النوع من الفضاءات، ما يحرم الساكنة من متنفسات طبيعية ضرورية، ويؤثر سلبًا على الصحة النفسية والاجتماعية للسكان.

كما أثارت إشكالية الحكامة الترابية، مشيرة إلى وجود اختلالات محتملة في برمجة المشاريع وتتبعها، فضلًا عن بطء إنجاز بعض الأوراش أو عدم ملاءمتها للحاجيات الفعلية للساكنة.

في المقابل، تشير بعض المعطيات إلى أن المدينة شهدت خلال السنوات الأخيرة إطلاق عدد من المشاريع الرامية إلى تأهيل الفضاءات الخضراء وإحداث متنزهات جديدة، غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لم تنجح بعد في تقليص الفوارق المجالية بشكل ملموس، وهو ما يعزز مطالب إرساء عدالة مجالية حقيقية في توزيع هذه الفضاءات، بما يضمن استفادة متكافئة لمختلف أحياء المدينة.

وتجمع الفعاليات المدنية على أن الرهان المطروح اليوم لا يقتصر فقط على إحداث مساحات خضراء جديدة، بل يشمل أيضًا تحسين جودة تهيئتها وضمان استدامتها، إلى جانب حماية العقار المخصص لها من أي تغيير في وجهته.

كما يتطلب الأمر تعزيز آليات المراقبة والتتبع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن تنفيذ المشاريع وفق المعايير المحددة وفي الآجال المعلنة.

وفي ظل استمرار هذا النقاش، يبقى ملف الفضاءات الخضراء بالدار البيضاء مرشحًا لمزيد من التفاعل السياسي والمجتمعي، خاصة مع تصاعد المطالب بإعادة توجيه السياسات الحضرية نحو نموذج تنموي أكثر توازنا، يضع جودة الحياة والعدالة المجالية في صلب أولوياته، ويستجيب لتطلعات ساكنة مدينة تبحث عن بيئة حضرية أكثر إنصافا واستدامة.

آخر الأخبار