تعويضات مجمدة وتنمية متعثرة.. الهراويين على صفيح ساخن مع اقتراب نهاية الولاية
تعيش جماعة الهراويين على إيقاع توتر متصاعد مع اقتراب نهاية الولاية الانتخابية، في سياق تتداخل فيه الخلافات السياسية مع اختلالات بنيوية تعكس عمق الإشكالات المرتبطة بتدبير الشأن المحلي.
وبين اتهامات متبادلة داخل المجلس الجماعي ومظاهر تهميش عمراني واجتماعي مستمرة، يعود هذا الملف إلى واجهة النقاش العمومي، مثيراً تساؤلات حول حدود الحكامة المحلية وفعالية آليات المراقبة والتتبع.
وفي هذا الإطار، فجّرت شكاية رسمية تقدم بها عدد من نواب رئيس المجلس الجماعي إلى عامل إقليم مديونة جدلاً واسعاً، بعدما تضمنت اتهامات صريحة لرئيس الجماعة بممارسة الشطط في استعمال السلطة، وحرمانهم من تعويضاتهم القانونية لأسباب وصفوها بالانتقامية. وبحسب معطيات اطلعت عليها "الجريدة 24"، فإن المعنيين يؤكدون أنهم لم يتوصلوا بمستحقاتهم المالية منذ عدة أشهر، رغم استيفائهم للشروط القانونية المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، والذي يكفل للمنتخبين تعويضات عن التمثيلية والتنقل وفق ضوابط محددة.
وترى الأطراف المشتكية أن طريقة تدبير هذه التعويضات تطرح إشكالاً حقيقياً على مستوى احترام مبدأ المساواة داخل المجلس، مشيرين إلى أن صرف المستحقات يتم بشكل انتقائي لفائدة بعض الأعضاء دون غيرهم، وهو ما اعتبروه خرقا لقواعد الحكامة الجيدة وتوظيفا غير مشروع للصلاحيات الإدارية في تصفية حسابات سياسية.
كما سجلوا أن هذه الوضعية استمرت رغم لجوئهم سابقاً إلى السلطات الإقليمية، دون أن يطرأ أي تغيير ملموس على وضعهم، بل إن الإجراءات، وفق تعبيرهم، اتخذت طابعاً أكثر تشدداً بعد تقديم الشكاية.
وتعكس هذه التطورات، في نظر متتبعين، أزمة أعمق داخل بنية المجلس الجماعي، حيث يتجاوز الخلاف حدود التباين في وجهات النظر إلى صراع حول آليات اتخاذ القرار وتدبير الموارد، في ظل اتهامات متبادلة تقوض الثقة بين مكونات المكتب المسير.
كما تطرح هذه القضية تساؤلات حول مدى تفعيل آليات الرقابة الإدارية في مواجهة مثل هذه النزاعات، خاصة عندما تتخذ طابعاً يؤثر على السير العادي للمرفق العمومي.
وفي موازاة ذلك، لا تنفصل هذه الأزمة المؤسساتية عن الواقع الميداني الذي تعيشه منطقة الهراويين، والتي ما تزال تعاني من اختلالات عمرانية واجتماعية مزمنة رغم إدراجها ضمن برامج التأهيل الحضري.
فبحسب المعطيات المتوفرة للجريدة 24، من مصادرها، فإن المنطقة، الواقعة على أطراف الدار البيضاء، تعرف ضغطاً ديمغرافياً متزايداً نتيجة التوسع العمراني والهجرة الداخلية، دون أن يواكبه تطوير كافٍ للبنيات التحتية والخدمات الأساسية.
هذا الوضع أفرز، على مدى السنوات الماضية، مشهداً حضرياً يتسم بانتشار أحياء ناقصة التجهيز، وبروز أنماط من البناء غير المهيكل، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالتنقل وضعف الشبكة الطرقية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة عيش الساكنة.
ويرى فاعلون مدنيون أن هذه الاختلالات تعكس فجوة واضحة بين البرامج المعلنة والنتائج المحققة على أرض الواقع، في ظل تعثر عدد من المشاريع أو بطء تنفيذها.
ورغم أن الهراويين كانت ضمن المجالات المستهدفة بعدد من المشاريع الكبرى في إطار برنامج تأهيل الدار البيضاء، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن الأثر المنتظر لم يتحقق بالشكل الكافي، سواء على مستوى إعادة تنظيم المجال الحضري أو تحسين المؤشرات الاجتماعية.
في هذا السياق، انتقل ملف الهراويين إلى المؤسسة التشريعية، حيث سبق أن وجه النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد حدادي، سؤالا كتابيًا إلى الحكومة حول مآل مشروع تأهيل وإعادة هيكلة المنطقة.
وأشار النائب البرلماني في معرض سؤاله إلى أن إطلاق هذا المشروع جاء في إطار برنامج تأهيل الدار البيضاء، تنفيذًا للتوجيهات الملكية التي أعلنها محمد السادس، والتي رُصد لها غلاف مالي يناهز 23 مليار درهم، في إطار شراكة بين عدد من القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، من بينها وزارة الداخلية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إضافة إلى المجالس الترابية المعنية.
ووفق المعطيات التي تضمنها السؤال البرلماني، فإن المشروع كان يهدف إلى إنجاز شبكة من الطرق والممرات، وإحداث فضاءات ومرافق اجتماعية ورياضية وثقافية، بما يضمن إعادة هيكلة المجال الحضري وتحسين ظروف عيش الساكنة.
غير أن الوضع الحالي، حسب النائب البرلماني، يُظهر أن المنطقة لا تزال بعيدة عن تحقيق هذا الهدف، إذ تستمر مظاهر الاختلال في الظهور، سواء من خلال الطابع العشوائي لبعض الأحياء أو من خلال الضغط المروري الكبير الذي تشهده المداخل الرئيسية، خصوصًا عند النقطة المرتبطة بالطريق السيار الدار البيضاء–الميناء.
وفي هذا الإطار، تساءل النائب البرلماني عن التدابير والإجراءات العاجلة التي تعتزم الحكومة اتخاذها من أجل تسريع وتيرة تأهيل وإعادة هيكلة منطقة الهراويين التابعة لمقاطعة سيدي عثمان، باعتبارها مجالًا ترابيًا واعدًا يمكن أن يلعب دورًا مهمًا ضمن التخطيط العمراني للعاصمة الاقتصادية.
كما دعا إلى ضرورة وضع رؤية واضحة تضمن إدماج المنطقة في الدينامية التنموية التي تعرفها المدينة، بما يسمح بتجاوز الاختلالات المتراكمة وتحقيق تنمية متوازنة تراعي العدالة المجالية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الإجابات الحكومية المرتقبة، تبقى ساكنة الهراويين بين أمل متجدد في أن تتحول الوعود إلى واقع ملموس، وقلق متواصل من أن يستمر التأجيل في حسم ملف تنموي طال انتظاره.