المعارضة تنتقد تأخر إصلاح مدونة الأسرة وتدعو الحكومة لتسريع الحسم
تواجه الحكومة الحالية، التي يقودها عزيز أخنوش، ضغوطاً سياسية متزايدة مع اقتراب نهاية ولايتها، في ظل دعوات متصاعدة لتسريع وتيرة الإصلاحات التشريعية الكبرى، وعلى رأسها ورش مراجعة مدونة الأسرة الذي يثير نقاشاً مجتمعياً واسعاً.
وتجد الحكومة نفسها أمام تحدي الزمن، إذ لم يعد يفصلها عن نهاية الولاية سوى أشهر معدودة، ما يضعها أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، خاصة تلك المرتبطة بالقضايا الاجتماعية الحساسة.
ويأتي هذا السياق في وقت تتسم فيه النصوص القانونية المنتظرة بدرجة عالية من التعقيد والتداخل، نظراً لارتباطها المباشر بالبنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المغربي، وهو ما يفرض على المؤسسة التشريعية العمل بإيقاع متسارع لمواكبة هذه التحديات.
ويواكب هذا الضغط ارتفاع في سقف انتظارات الرأي العام، الذي يترقب صدور إصلاحات نوعية قادرة على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، لا سيما في ما يتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الحقوق والحريات.
وتتصدر مراجعة مدونة الأسرة واجهة هذه الإصلاحات، باعتبارها أحد أبرز الملفات ذات الطابع المجتمعي، نظراً لصلتها الوثيقة بمؤسسة الأسرة والتحولات التي تعرفها داخل المجتمع المغربي.
ويُرتقب أن يفتح هذا الورش نقاشاً عميقاً داخل البرلمان وخارجه، في ظل تباين واضح في المواقف بين تيارات تدعو إلى توسيع نطاق الحقوق الفردية وتعزيز المساواة، وأخرى تؤكد على ضرورة الحفاظ على الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع.
وتشمل المقترحات المتداولة في هذا الإطار مجموعة من التعديلات الجوهرية، من بينها مراجعة سن الزواج بهدف الحد من زواج القاصرات، وإعادة النظر في ضوابط التعدد بشكل يضمن حماية أكبر للحقوق الأسرية، إلى جانب تعزيز مبدأ تقاسم المسؤوليات داخل الأسرة.
كما تتجه بعض المقترحات نحو تبسيط مساطر الطلاق وتقليص آجال البت في النزاعات الأسرية، بما يساهم في الحد من التوترات الاجتماعية ويصون كرامة الأطراف المعنية.
وفي موازاة ذلك، يجري التفكير في تطوير آليات الوساطة الأسرية واعتماد مقاربات حديثة تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، مع الحرص على تحقيق توازن دقيق بين الثوابت الدستورية للمملكة والتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان.
ويعكس هذا التوجه سعي المشرع إلى ملاءمة المنظومة القانونية مع المتغيرات الراهنة، دون الإخلال بالمرجعيات الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني المغربي.
غير أن وتيرة التعاطي الحكومي مع هذا الملف لم تسلم من انتقادات المعارضة البرلمانية، التي اعتبرت أن التأخر في إخراج مشروع تعديل مدونة الأسرة يعكس نوعاً من التردد في حسم هذا الورش الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، وجه إدريس لشكر انتقادات مباشرة للحكومة، محملاً إياها مسؤولية ما وصفه بـ”التلكؤ” في تفعيل هذا الإصلاح، وداعياً إلى تسريع عرضه على المسار التشريعي خلال ما تبقى من عمر الولاية.
وجاءت كلمة لشكر خلال الملتقى الوطني للنساء الاتحاديات المنظم ببوزنيقة، اليوم الجمعة، حيث أكد أن التأخر في هذا الورش يعرقل مسار إصلاحي يحظى بتوجيهات عليا، في إشارة إلى المبادرة التي أطلقها الملك محمد السادس، والتي فتحت الباب أمام مراجعة شاملة لمدونة الأسرة وفق مقاربة تشاركية تضم مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين.
وربط المسؤول الحزبي بين بطء الإصلاح واستمرار اختلالات بنيوية تمس وضعية النساء، مشيراً إلى أن فئات واسعة منهن ما زلن يواجهن صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل والاستفادة من فرص الترقية المهنية والحماية الاجتماعية، فضلاً عن استمرار الفجوة بين نسب البطالة والفرص المتاحة.
واعتبر أن هذه الإكراهات تعكس الحاجة إلى إصلاحات أعمق تتجاوز الجوانب القانونية إلى السياسات العمومية المرتبطة بالعدالة الاجتماعية.
وشدد المتحدث ذاته على أن إصلاح مدونة الأسرة لا يمكن فصله عن ورش أوسع يتعلق بإرساء المساواة الفعلية بين النساء والرجال، مبرزاً أن المرأة لا تزال، في العديد من الحالات، خارج دوائر الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يستدعي اعتماد مقاربة شمولية تجعل منها فاعلاً مركزياً في التنمية، بدل الاقتصار على دورها كمتلقٍ للسياسات العمومية.
كما استحضر لشكر المسار التاريخي لإصلاح مدونة الأسرة، بدءاً من النقاشات التي سبقت تعديل سنة 2004، وصولاً إلى الدينامية الحالية التي أعادت طرح الموضوع في ضوء التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقدين الأخيرين. وأكد أن حزبه ظل من بين القوى السياسية التي دفعت في اتجاه تحديث المنظومة القانونية بما ينسجم مع مبادئ الدستور وروح العصر.
وفي هذا الإطار، أبرز أن أي تعديل مرتقب ينبغي أن يراعي مقتضيات دستور 2011، خاصة ما يتعلق بمبدأ المساواة، وأن ينسجم مع الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان، بما يضمن ترجمة هذه المبادئ إلى مقتضيات قانونية قابلة للتنفيذ داخل المحاكم ومختلف المؤسسات.
وتتجه الأنظار خلال المرحلة المقبلة إلى قدرة الحكومة والبرلمان على تدبير هذا الورش الحساس ضمن توازن دقيق بين مختلف المرجعيات، وفي ظرف زمني ضيق يفرض تسريع وتيرة العمل التشريعي دون الإخلال بجودة النصوص.
ويظل الرهان الأساسي هو إخراج إصلاح متوافق عليه يحقق الاستقرار الأسري ويستجيب في الآن ذاته لتطلعات المجتمع نحو مزيد من الإنصاف والمساواة.