هل استجابت مخرجات جولة أبريل لتطلعات النقابات؟
انعقدت، اليوم الجمعة بالرباط، جولة جديدة من الحوار الاجتماعي برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وبحضور عدد من الوزراء وممثلي المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، في سياق يتسم بحساسية اقتصادية واجتماعية متزايدة، وسط تصاعد مطالب الشغيلة بتحسين أوضاعها المعيشية في ظل استمرار موجة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، ما يضع السلطة التنفيذية أمام اختبار حقيقي لإقناع الفرقاء الاجتماعيين بجدية التزاماتها قبل أشهر قليلة من نهاية ولايتها.
وتأتي هذه الجولة في ظرفية دقيقة تتقاطع فيها رهانات اجتماعية ملحة مع حسابات سياسية وزمنية ضاغطة، خاصة مع اقتراب الاحتفاء بـ عيد العمال، الذي يشكل تقليديا محطة لتقييم الحصيلة الاجتماعية، ومنبرا لرفع سقف المطالب النقابية، وهو ما يضفي على هذا اللقاء طابعا استثنائيا، بالنظر إلى سعي النقابات إلى تحقيق مكاسب ملموسة قبل دخول البلاد في أجواء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وطغى على أشغال هذه الجولة نقاش محتدم حول ملفات الأجور والمعاشات والضرائب، إلى جانب تقييم مدى تنفيذ الالتزامات السابقة المنبثقة عن جولات الحوار الاجتماعي، حيث شددت النقابات على ضرورة الانتقال من منطق الوعود إلى منطق الإجراءات الفعلية التي تنعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات.
في هذا السياق، عبر محمد الحطاطي، نائب الكاتب العام لـالكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في تصريح له نشرته الصفحة الرسمية للنقابة، عن خيبة أمل مركزية نقابته من مخرجات هذه الجولة، مؤكدا في تصريح صحافي أن اللقاء لم يرق إلى مستوى انتظارات الطبقة العاملة وعموم الموظفين والأجراء، ولم يحمل أي إجراءات جديدة قادرة على الاستجابة للمطالب الأساسية المطروحة، رغم المسار الطويل من المطالبة بانعقاد هذه الدورة عبر مراسلات متكررة لرئاسة الحكومة.
وأوضح المسؤول النقابي أن مشاركة الكونفدرالية في هذا الاجتماع تمت بوفد يقوده الكاتب العام خليد هوير العلمي، بناء على جدول أعمال واضح يتصدره مطلب الزيادة في الأجور والمعاشات، وتخفيض الضريبة على الدخل، وتنفيذ الالتزامات السابقة، فضلا عن معالجة ملفات الحريات النقابية وتسوية أوضاع عدد من الفئات المهنية داخل الوظيفة العمومية والقطاع الخاص، إضافة إلى مراجعة الحد الأدنى للأجور وتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لفائدة الأجراء.
وشدد الحطاطي على أن الحكومة لم تقدم أجوبة عملية بشأن تحسين الدخل، رغم المؤشرات الاقتصادية التي تم عرضها خلال الاجتماع، والتي تفيد بتحسن معدلات النمو وارتفاع المداخيل الضريبية وانتعاش عدد من القطاعات الحيوية، معتبرا أن هذه النتائج تحققت بفضل مجهودات الطبقة العاملة، ومن حقها الاستفادة من ثمارها عبر إجراءات اجتماعية ملموسة، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجهها الأسر المغربية.
كما أشار المتحدث إلى أن وفد النقابة أثار خلال الاجتماع عددا من الملفات القطاعية العالقة، من بينها أوضاع المهندسين والمتصرفين والتقنيين، إلى جانب قطاعات لا تزال أنظمتها الأساسية مجمدة أو غير مفعلة، مثل الجماعات المحلية والتعليم العالي والأحياء الجامعية والتعاون الوطني وقطاع التشغيل والعدل والتعليم والشباب والثقافة، مؤكدا أن استمرار هذا الوضع يفاقم حالة الاحتقان داخل هذه القطاعات.
وفي ما يتعلق بالحريات النقابية، نددت الكونفدرالية بما وصفته بالخروقات المتواصلة، من قبيل طرد مكاتب نقابية مباشرة بعد تأسيسها، ورفض تسليم وصولات الإيداع القانونية، إلى جانب فصل عدد من الأجراء بسبب انتمائهم النقابي، معتبرة أن هذه الممارسات تمثل خرقا صريحا للمقتضيات الدستورية والقوانين الجاري بها العمل، وتستدعي تدخلا عاجلا لضمان احترام الحقوق النقابية.
وعن مبررات الحكومة لعدم الاستجابة للمطالب المطروحة، أوضح الحطاطي أن السلطة التنفيذية أرجعت ذلك إلى تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العالمية، غير أن النقابة اعتبرت هذا التبرير غير كاف لتبرير تجميد المطالب الاجتماعية الملحة، وعلى رأسها تحسين الأجور والمعاشات، مؤكدة أن الظرفية الراهنة تتطلب قرارات جريئة تعيد التوازن الاجتماعي.
وكشف القيادي النقابي أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تعتزم، انسجاما مع قرارات مجلسها الوطني، إطلاق برنامج احتجاجي جديد ابتداء من فاتح ماي المقبل، مع برمجة أشكال نضالية تصعيدية سيتم الحسم فيها خلال اجتماع لاحق للمكتب التنفيذي، بهدف الضغط من أجل انتزاع مطالب الشغيلة.
في المقابل، أفادت مصادر مطلعة للجريدة 24 بأن باقي المركزيات النقابية المشاركة في الحوار عبرت بدورها عن تمسكها بضرورة إقرار زيادة فورية ومباشرة في أجور الموظفين والعمال، إلى جانب مراجعة معاشات المتقاعدين بشكل يوازي الارتفاع المسجل في الأسعار، معتبرة أن الزيادات السابقة فقدت أثرها بسبب التضخم، ولم تعد كافية لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين.
كما دعت هذه النقابات إلى تسريع وتيرة الحوارات القطاعية وتنفيذ الالتزامات السابقة، مع فتح قنوات تفاوض خاصة بالفئات المهنية التي تعيش أوضاعا صعبة، من بينها المهندسون والمتصرفون والتقنيون، فضلا عن تحسين أوضاع العاملين في قطاعات المناولة، خصوصا في مجالي الحراسة الخاصة والنظافة، من خلال ضمان احترام مدة العمل القانونية وتطبيق مقتضيات مدونة الشغل.
وتعكس أجواء هذه الجولة من الحوار الاجتماعي استمرار حالة التوتر الحذر بين الحكومة والنقابات، في ظل تباين واضح في تقييم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وبينما تراهن الحكومة على الحفاظ على التوازنات المالية، تصر النقابات على أولوية البعد الاجتماعي، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات، تتراوح بين التوافق المرحلي أو التصعيد الميداني، خاصة مع اقتراب محطة فاتح ماي التي تعد اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الأطراف على تدبير هذا الملف الحساس.