بين رهان التحديث وقلق التجار.. ملف "جوطية درب غلف" يدخل منعطفا حاسما داخل جماعة البيضاء
بين رهان التحديث وقلق التجار.. ملف “جوطية درب غلف” يدخل منعطفا حاسما داخل جماعة البيضاء
قبل الشروع الفعلي في تنزيل مشروع إعادة هيكلة فضاء “جوطية درب غلف” بمدينة الدار البيضاء، يتصاعد الجدل بشأن مآلات هذا الورش الحضري، الذي يُقدَّم باعتباره خطوة استراتيجية لتحديث أحد أبرز الفضاءات التجارية الشعبية بالعاصمة الاقتصادية، في مقابل تنامي مخاوف شريحة واسعة من التجار المرتبطين بهذا السوق، خاصة فيما يتعلق بتداعيات نزع الملكية واحتمالات فقدان مصادر رزقهم، رغم التأكيدات الرسمية المتكررة بشأن ضمان حقوق المتضررين وتدبير المرحلة الانتقالية.
ويأتي هذا المشروع في سياق دينامية وطنية متسارعة لإعادة تأهيل الفضاءات الحضرية الكبرى، في إطار الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، حيث تسعى السلطات المحلية والمنتخبة إلى تحسين جاذبية المدن الكبرى وتعزيز بنياتها التحتية، بما يتماشى مع المعايير الدولية، ويستجيب في الآن ذاته لمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ويُعد سوق درب غلف من بين الفضاءات التي تحظى بأولوية خاصة بالنظر إلى مكانته التاريخية والاقتصادية، إذ ظل لعقود طويلة مركزا حيويا لتجارة الإلكترونيات وقطع الغيار والخدمات التقنية.
ويضم هذا السوق مئات المحلات التجارية، ويوفر آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، ما يجعله أحد أعمدة الاقتصاد غير المهيكل الذي راكم حضورا قويا داخل النسيج الحضري للمدينة، رغم ما يعتريه من اختلالات بنيوية، من قبيل هشاشة البنيات التحتية وغياب الربط المنتظم بشبكتي الماء والكهرباء، فضلا عن اعتماد بعض التجار على تجهيزات مؤقتة تثير مخاوف متكررة مرتبطة بالسلامة، وهو ما دفع السلطات إلى التفكير في إعادة هيكلته ضمن رؤية شمولية.
وفي تطور مؤسساتي لافت، قررت جماعة الدار البيضاء إدراج هذا الملف ضمن جدول أعمال دورة ماي 2026 لمجلس المدينة، المرتقب عقدها يوم الخميس 7 ماي، في خطوة تعكس انتقال المشروع من مرحلة التصور إلى مرحلة الإجراءات القانونية والتنفيذية.
ويُنتظر أن تشهد هذه الدورة مناقشة معمقة لمضامين المشروع وانعكاساته، قبل المرور إلى مرحلة الدراسة والتصويت من طرف أعضاء المجلس.
وبحسب المعطيات المدرجة ضمن وثائق الدورة، فإن المجلس سيتداول في نقطة تتعلق بإعلان المنفعة العامة تمهيدا لنزع ملكية أجزاء من العقارات التي يحتضنها السوق، حيث يشمل القرار القطعة الأرضية ذات الرسم العقاري عدد 4238/د، والتي تمتد على مساحة تقدر بحوالي 54.068 مترا مربعا، إضافة إلى جزء واقع في محرم الطريق P77 تابع للرسم العقاري عدد 1530/د بمساحة 113 مترا مربعا، فضلا عن جزء آخر مساحته 53 مترا مربعا تابع للرسم العقاري عدد 48788/س، وهي المساحات التي تحتضن حاليا أنشطة “جوطية درب غلف”.
ويهدف هذا الإجراء، وفق الوثائق ذاتها، إلى تخصيص هذه العقارات لإحداث مرفق جماعي في شكل مركب تجاري وخدماتي عصري بتراب مقاطعة المعاريف، يستجيب لمعايير السلامة والتنظيم، ويوفر فضاءات ملائمة لممارسة الأنشطة التجارية في ظروف لائقة، مع إدماج مختلف المتدخلين ضمن تصور جديد يوازن بين متطلبات التأهيل الحضري والحفاظ على الدينامية الاقتصادية للمنطقة.
غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات لدى عدد من التجار والمهنيين بشأن طبيعة التعويضات المرتقبة وآليات إعادة الإدماج داخل المشروع الجديد، حيث يطالب العديد منهم بضمانات واضحة تحمي مصالحهم وتؤمن استمرارية أنشطتهم، في ظل تخوفات من أن يؤدي المشروع إلى إقصاء بعض الفاعلين أو تغيير طبيعة السوق بشكل جذري.
وفي المقابل، تؤكد مصادر من داخل المجلس الجماعي أن المشروع يندرج ضمن رؤية متكاملة لإعادة تنظيم الفضاء التجاري بما يحقق التوازن بين متطلبات التحديث والحفاظ على النسيج الاقتصادي المحلي، مشيرة إلى أن مسطرة نزع الملكية ستتم وفق الضوابط القانونية المعمول بها، مع احترام حقوق المالكين والمستغلين، واعتماد مقاربة تشاركية في تدبير هذا الورش.
ويُرتقب أن يشكل اجتماع مجلس المدينة محطة حاسمة في مسار هذا المشروع، حيث ستحسم عملية التصويت في مدى تقدم الإجراءات نحو التنفيذ، في وقت يظل فيه الرهان الأكبر هو القدرة على تنزيل هذا الورش بطريقة تضمن العدالة الاجتماعية وتحقق في الآن ذاته أهداف التأهيل الحضري، ضمن سياق وطني يتسم بتسارع وتيرة التحولات والاستعداد لمواعيد دولية كبرى.