ضغط نهاية الولاية الحكومية يدفع لتشديد معايير المصادقة على القوانين
مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية ودخول الزمن التشريعي مرحلته الحاسمة، يتجه النقاش السياسي داخل المؤسسة البرلمانية نحو مزيد من التوتر، في ظل تزايد الضغوط المرتبطة بضرورة الحسم في عدد من مشاريع ومقترحات القوانين قبل إسدال الستار على الدورة التشريعية الحالية.
هذا السياق الزمني الضيق يفرض إيقاعا سريعا على عمل البرلمان، لكنه في المقابل يثير تساؤلات حول جودة التشريع ومدى احترام المعايير المرتبطة بالمصادقة على النصوص القانونية، خاصة في ظل احتدام الخلاف بين مكونات الأغلبية والمعارضة.
وقد تجلى هذا التوتر بشكل واضح خلال جلسة عمومية تشريعية عقدها مجلس النواب صباح الثلاثاء، حيث تم رفض المصادقة على 14 مقترح قانون تقدمت بها فرق ومجموعة المعارضة، في مشهد يعكس عمق التباين في الرؤى بين الطرفين. الجلسة عرفت نقاشا حادا، لم يخل من تبادل الاتهامات بشأن مسؤولية تعثر المسار التشريعي، خصوصا في ظل تسجيل غياب لافت لأعضاء الحكومة عن أشغالها، وهو ما اعتبرته المعارضة مؤشرا سلبيا على مستوى التفاعل المؤسساتي مع المبادرات التشريعية.
المقترحات المرفوضة شملت طيفا واسعا من المجالات الحيوية، من بينها إصلاح أنظمة التقاعد التي عادت لتتصدر واجهة النقاش العمومي. وفي هذا الإطار، تم إسقاط عدة مقترحات تروم تعديل القانون رقم 11.71 المتعلق بنظام المعاشات المدنية، والتي تقدم بها الفريق الحركي في أكثر من صيغة، سواء عبر التغيير أو التتميم.
كما لم يحظى بالموافقة مقترح تقدم به فريق التقدم والاشتراكية يرمي إلى تعديل المادة 28 من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.77.216 المرتبط بإحداث نظام جماعي لمنح رواتب التقاعد، إضافة إلى مقترح مشترك بين الفريق نفسه والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية يهم الإطار القانوني ذاته.
وفي سياق متصل، امتد الرفض ليشمل مقترحات قوانين ذات بعد اجتماعي واقتصادي مباشر، من بينها النصوص المرتبطة بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة، حيث تم إسقاط مقترحين يقضيان بتعديل مقتضيات القانون رقم 7.81، خاصة الفصل 40، إلى جانب الفصلين 7 و17، وهي التعديلات التي كانت تهدف، بحسب مقدميها، إلى تعزيز ضمانات المتضررين وتحقيق توازن أكبر بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد.
قطاع التعليم بدوره لم يكن بمنأى عن هذا الحسم السلبي، إذ لم يتم قبول مقترحين يرومان تعديل الإطار القانوني المتعلق بإلزامية التعليم الأساسي، من خلال مراجعة مقتضيات الظهير الشريف رقم 1.63.71، سواء عبر إضافة مواد جديدة أو تعديل الفصول القائمة، في محاولة لمعالجة بعض الاختلالات المرتبطة بتعميم التعليم ومحاربة الهدر المدرسي.
أما على المستوى التنظيمي، فقد شمل الرفض مقترح قانون تنظيمي يتعلق بالجماعات الترابية، كان يهدف إلى تعديل المادة 83 من القانون التنظيمي رقم 113.14، في حين تم أيضا إسقاط مقترح قانون يهم حماية واستصلاح البيئة عبر تعديل المادة 49 من القانون رقم 11.03، إلى جانب مقترح آخر يتعلق بقطاع المناجم يروم مراجعة القانون رقم 33.13.
كما لم تسلم ورش التغطية الصحية من هذا المسار، حيث تم رفض مقترحين يتعلقان بتعديل القانون رقم 65.00 بمثابة مدونة التغطية الصحية الأساسية، وخاصة ما يرتبط بالتأمين الإجباري عن المرض.
هذا الرفض الجماعي لمقترحات المعارضة أعاد إلى الواجهة النقاش حول موقع المبادرة التشريعية داخل المنظومة البرلمانية، وحدود تأثير المعارضة في صياغة السياسات العمومية، في مقابل هيمنة الأغلبية على مسار المصادقة.
كما يطرح تساؤلات بشأن مدى التوازن بين متطلبات السرعة التي يفرضها قرب نهاية الولاية، وضرورة التمحيص الدقيق للنصوص القانونية بما يضمن نجاعتها واستجابتها لتطلعات المواطنين.
في المقابل، تدافع مكونات الأغلبية عن موقفها بكون رفض هذه المقترحات يستند إلى اعتبارات تقنية وقانونية، معتبرة أن عددا منها يفتقر إلى الانسجام مع الإطار التشريعي العام أو يطرح إشكالات على مستوى التمويل والتنفيذ.
غير أن هذا التبرير لا يقنع المعارضة، التي ترى في ذلك تضييقا على دورها الدستوري ومحاولة لاحتكار المبادرة التشريعية، خاصة في مرحلة حساسة تتطلب، بحسب تعبير عدد من النواب، انفتاحا أكبر على مختلف المقترحات بغض النظر عن مصدرها.
وبين منطق التدبير الزمني الصارم ومنطق التعددية التشريعية، يستمر الجدل داخل المؤسسة البرلمانية، في انتظار ما ستسفر عنه الأسابيع القليلة المتبقية من عمر الولاية الحكومية، والتي ستشكل دون شك اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تحقيق التوازن بين النجاعة التشريعية واحترام قواعد العمل الديمقراطي.