هل يكرس الطابع الاختياري لحضور الحكومة بالبرلمان توترا سياسيا متصاعدا؟
تتجه حدة النقاش السياسي داخل المؤسسة التشريعية إلى مزيد من التصعيد مع اقتراب الحكومة من دخول سنتها الأخيرة من الولاية التشريعية، في سياق يتسم بتزايد الانتقادات الموجهة إلى أدائها البرلماني، خاصة فيما يتعلق بدرجة التفاعل مع آليات الرقابة التي يخولها الدستور للنواب.
هذا الوضع يعكس توترا متناميا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، في ظل مطالب متكررة بضرورة تعزيز حضور أعضاء الحكومة داخل البرلمان والتجاوب بشكل أكبر مع الأسئلة الكتابية والشفوية، التي تعتبر إحدى أبرز أدوات المساءلة الديمقراطية.
ويأتي هذا الجدل في ظرفية سياسية دقيقة، تتقاطع فيها رهانات تقييم الحصيلة الحكومية مع ضغط الزمن التشريعي، حيث ترى مكونات المعارضة أن العمل البرلماني يشهد تراجعا ملحوظا في ديناميته، مشيرة إلى ما تصفه بحالة من “الركود” التي تطبع اجتماعات عدد من اللجان الدائمة، مقابل محدودية تفاعل الحكومة مع المبادرات الرقابية.
في المقابل، تؤكد مكونات الأغلبية أن وتيرة العمل المؤسساتي تخضع لاعتبارات تنظيمية ودستورية، ولا يمكن اختزالها في مسألة الحضور العددي داخل الجلسات.
وقد زاد من حدة هذا النقاش الجدل الذي رافق غياب الحكومة عن جلسة تشريعية عمومية بمجلس النواب، خُصصت لدراسة عدد من مقترحات القوانين، وهو ما اعتبرته المعارضة مؤشرا سلبيا على مستوى الانخراط الحكومي في المسار التشريعي.
في هذا السياق، خرج مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، للرد على الاتهامات التي وُجهت إلى السلطة التنفيذية، والتي بلغت حد وصف سلوكها بـ”الاستهتار” بالمؤسسة التشريعية.
وأكد بايتاس، خلال مداخلة له في الجلسة ذاتها، أن العلاقة بين الحكومة والبرلمان تؤطرها مقتضيات دستورية وقانونية واضحة، إلى جانب قرارات صادرة عن المحكمة الدستورية، معتبرا أن حضور أعضاء الحكومة في جلسات دراسة مقترحات القوانين يظل اختياريا وليس إلزاميا
. وأوضح أن هذا الموقف يستند إلى قراءة مؤسساتية للنص الدستوري، مشيرا إلى أن التجارب السابقة داخل البرلمان يمكن أن تشكل مرجعا لفهم طبيعة هذه العلاقة وتطورها.
وشدد المسؤول الحكومي على أن المبادرة التشريعية البرلمانية مكفولة دستوريا، وأن مسطرة دراسة مقترحات القوانين تخضع لتنظيم دقيق داخل اللجان البرلمانية، فضلا عن مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب.
كما أبرز أن قرار المحكمة الدستورية حسم بشكل صريح في مسألة حضور الحكومة، حيث لم ينص على إلزاميتها سواء داخل اللجان أو خلال الجلسات العامة، معتبرا أن إثارة هذا النقاش مجددا لا يغير من الوضع القانوني القائم.
وفي معرض رده على الانتقادات، رفض بايتاس بشكل قاطع استعمال توصيف “الاستهتار”، مؤكدا أن الحكومة تتعامل مع البرلمان في إطار من الاحترام المتبادل، وأن العلاقة بين المؤسستين لا يمكن اختزالها في اعتبارات سياسية أو حزبية ضيقة، بل تندرج ضمن منطق مؤسساتي يقتضي الحفاظ على توازن السلط وتعزيز أدائها.
وأضاف أن المسؤولية السياسية تفرض تجنب إطلاق أحكام قيمة غير مؤسسة، داعيا إلى الالتزام بأخلاقيات النقاش البرلماني.
وتطرق الوزير إلى الجوانب الإجرائية المرتبطة بدراسة مقترحات القوانين، موضحا أنها لا تُعرض على مجلس الحكومة، بل يتم التداول بشأنها في اجتماعات خاصة، معتبرا أن هذا المسار ينسجم مع المقتضيات الدستورية، لكنه لا يخضع لنفس قواعد التحفظ التي تحكم أشغال المجلس الحكومي.
كما أثار مسألة إبداء الرأي من طرف الحكومة، متسائلا عن حدود هذا الرأي وطبيعته في سياق مبادرات ذات طابع تشريعي برلماني.
وفي ما يتعلق بتعليل المواقف الحكومية، أوضح بايتاس أن هذا المفهوم يرتبط أساسا بالقرارات الإدارية التي تخضع لرقابة القضاء الإداري، معتبرا أن تعميمه على المجال التشريعي يطرح إشكالات منهجية، بالنظر إلى الطابع السياسي للمبادرات البرلمانية.
وأكد أن الأصل في هذه المبادرات هو القبول من حيث المبدأ، غير أن موقف الحكومة منها يتحدد بناء على اعتبارات متعددة، من بينها مدى انسجامها مع البرنامج الحكومي، والإمكانيات المالية المتاحة، وكذا وجود مشاريع قوانين قيد الإعداد في نفس المجالات.
وفي مقابل ذلك، ترى أطراف من المعارضة أن هذه التبريرات لا تعفي الحكومة من مسؤوليتها في التفاعل الإيجابي مع المبادرات التشريعية، معتبرة أن ضعف الحضور الحكومي داخل البرلمان يؤثر سلبا على جودة النقاش العمومي ويحد من فعالية الرقابة البرلمانية.
كما تؤكد أن المرحلة الحالية، التي تسبق نهاية الولاية، تقتضي انخراطا أكبر من طرف الجهاز التنفيذي، بما ينسجم مع متطلبات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبين تأكيد الحكومة على الطابع الاختياري لحضورها داخل البرلمان، وتمسك المعارضة بضرورة تعزيز هذا الحضور، يستمر الجدل حول طبيعة العلاقة بين السلطتين وحدودها، في ظل رهانات سياسية وتشريعية متزايدة.