كشف تقرير حديث صادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن أزمة المدرسة العمومية لم تعد مرتبطة فقط بالمناهج الدراسية أو ضعف البنيات التحتية.
وأوضح التقرير أن الأزمة أصبحت مرتبطة، في العمق، بطريقة إعداد الأستاذ وتدبير مساره المهني، منذ مرحلة التوظيف والتكوين وصولا إلى التقييم والتحفيز وظروف الاشتغال. التقرير، الذي أعدته الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس، اعتبر أن "جودة الأساتذة لا يمكن أن تتجاوز جودة السياسات العمومية التي تشكل بيئة عملهم".
وحذر المصدر من أن الاختلالات البنيوية التي يعرفها القطاع تنعكس بشكل مباشر على مستوى التعلمات داخل الفصول الدراسية.
التقرير المعنون "مهنة الأستاذ(ة) في المغرب بمعيار المقارنة الدولية"، والذي يمتد على أكثر من مائة صفحة، ربط ما وصفه بـ"أزمة التعلم" داخل المدرسة العمومية بضعف جاذبية مهنة التدريس وتراجع مكانتها الاجتماعية.
وأشار إلى أن آلاف الشباب يلجون القطاع بدافع البحث عن الاستقرار الوظيفي والهروب من البطالة، وليس انطلاقا من قناعة تربوية أو شغف بالتعليم.
واستند التقرير إلى نتائج اختبارات دولية من قبيل Programme for International Student Assessment وTrends in International Mathematics and Science Study وProgress in International Reading Literacy Study، التي أظهرت استمرار ضعف مكتسبات التلاميذ المغاربة، خصوصا في التعليم الأساسي.
واعتبر أن النقاش الحقيقي يجب أن ينتقل من تحميل التلميذ مسؤولية التعثر إلى مساءلة السياسات التي تصنع المدرس نفسه.
وانتقد التقرير بشدة طريقة تدبير ملف التوظيف خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد اعتماد التوظيف الجهوي سنة 2016، متحدثا عن "توظيف متسرع" جرى في ظروف غير مواتية، رافقته فترات تكوين قصيرة وغير كافية.
وربط التقرير هذه الوضعية بسلسلة من القرارات المتذبذبة التي عرفها القطاع، من إحداث المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، إلى فصل التكوين عن التوظيف واعتماد نظام التعاقد قبل التراجع عنه لاحقا.
واعتبر أن هذا الارتباك ساهم في تعميق الأزمة بدل معالجتها. وكشف التقرير، من خلال مقابلات ميدانية مع أساتذة ومديرين ومفتشين تربويين، أن "الدوافع الخارجية" مثل الراتب والاستقرار المهني أصبحت المحدد الرئيسي لاختيار مهنة التدريس، في وقت فقدت فيه المدرسة قدرتها على استقطاب المتفوقين دراسيا لصالح مؤسسات ومسارات أخرى أكثر جاذبية.
ودعا التقرير إلى استلهام تجارب الأنظمة التعليمية الناجحة عالميا، التي تعتمد معايير صارمة في انتقاء المدرسين، وتربط الترقية بالأداء داخل القسم، مع توفير تكوين تطبيقي مستمر ومواكبة مهنية دقيقة للأساتذة الجدد.
كما شدد على أن توجه الدولة نحو توظيف أكثر من 200 ألف أستاذ في أفق سنة 2030 يجب ألا يتحول إلى مجرد عملية لسد الخصاص العددي، بل إلى فرصة لإعادة بناء مهنة التدريس على أسس الاستقطاب الجيد والتكوين الصارم والتحفيز وتحسين ظروف العمل.
وخلص التقرير إلى أن مستقبل المدرسة المغربية لن يحسم فقط داخل الأقسام الدراسية، بل في الطريقة التي تعيد بها الدولة الاعتبار لصورة الأستاذ ومكانته باعتباره "رهانا استراتيجيا" لمستقبل المجتمع والدولة