هل يتحول ملف محاربة الوسطاء إلى الورقة الانتخابية الجديدة للأغلبية؟

الكاتب : انس شريد

12 يونيو 2026 - 08:30
الخط :

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المرتقبة، بدأت ملامح إعادة تموقع سياسي داخل مكونات الأغلبية الحكومية تتضح بشكل متزايد، من خلال الانتقال التدريجي من خطاب يرتكز على الدفاع عن الحصيلة الحكومية إلى خطاب اجتماعي أكثر التصاقًا بالانشغالات اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واختلالات الأسواق.

ويبدو أن ملف الوسطاء بات يحتل موقعًا متقدمًا ضمن أولويات هذا التحول، في ظل تنامي الجدل حول تأثير حلقات الوساطة المتعددة على أسعار المواد الأساسية.

ويأتي هذا التوجه في سياق سياسي واقتصادي دقيق، يتسم باستمرار الضغوط الاجتماعية الناتجة عن ارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد المطالب الشعبية بإجراءات ملموسة تحد من موجة الغلاء التي أثقلت كاهل الأسر خلال السنوات الأخيرة.

كما يتزامن مع استعداد مختلف الأحزاب لخوض انتخابات ينتظر أن تطغى عليها الملفات الاجتماعية أكثر من أي وقت مضى، بعدما أصبحت القدرة الشرائية واحدة من أبرز القضايا الحاضرة في النقاش العمومي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، كثفت أحزاب الأغلبية، وخاصة حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة، من إثارة ملف الوسطاء داخل الأسواق الوطنية، معتبرة أن جزءًا مهمًا من الاختلالات التي تعرفها منظومة التسويق والتوزيع يعود إلى تضخم أدوار المتدخلين بين المنتج والمستهلك.

غير أن حزب الاستقلال بدا الأكثر اندفاعًا في هذا الاتجاه، من خلال تبنيه خطابًا متصاعدًا يدعو إلى مراجعة شاملة لآليات تسويق المنتجات الفلاحية والغذائية وإعادة تنظيم الأسواق.

وفي هذا الإطار، قدم الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، نزار بركة، يوم أمس الخميس، خلال لقاء نظمته رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين بمدينة الدار البيضاء، قراءة موسعة للوضع الاقتصادي والاجتماعي، واضعًا ملف الوسطاء في صلب التحديات التي تواجه السوق الوطنية.

واستند بركة إلى معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، تفيد بأن 75 في المائة من الأسر المغربية تعتقد أن قدرتها الشرائية تراجعت، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2.5 في المائة، وهو ما اعتبره مؤشرًا واضحًا على حجم القلق الاجتماعي المتنامي.

ورغم تراجع معدل التضخم مقارنة بالفترات السابقة، اعتبر المسؤول الحزبي أن هذا المعطى لم ينعكس بشكل ملموس على شعور المواطنين بتحسن أوضاعهم المعيشية، موضحًا أن المواد الأساسية ما تزال تستحوذ على حصة كبيرة من نفقات الأسر، خاصة الفئات الهشة ومتوسطة الدخل.

ولم يكتف بركة بتشخيص الأزمة من زاوية المؤشرات الاقتصادية، بل وجه انتقادات صريحة إلى منظومة التسويق الحالية، معتبرًا أن تعدد الوسطاء أفرز تشوهات حقيقية في تكوين الأسعار. وكشف أن ما بين 35 و45 في المائة من الخضر والفواكه يتم تداولها خارج أسواق الجملة، وهو ما يحد من شفافية المعاملات ويصعب مراقبة مسارات التوزيع وتحديد هوامش الربح الحقيقية.

كما استند إلى معطيات صادرة عن مجلس المنافسة، تفيد بأن الوسطاء يستحوذون على ما بين 34 و50 في المائة من السعر النهائي لبعض المنتجات، في وضعية تجعل الفلاح يتقاضى مقابلاً محدودًا مقابل إنتاجه، بينما يتحمل المستهلك تكلفة مرتفعة عند الشراء.

ووفق هذا التصور، فإن الخلل لا يكمن فقط في مستويات الإنتاج أو في الظروف المناخية الصعبة، بل أيضًا في بنية التسويق التي تسمح بتضخم الأرباح داخل حلقات الوساطة على حساب المنتج والمستهلك معًا.

ودافع الأمين العام لحزب الاستقلال عن مفهوم "الثمن العادل"، موضحًا أن المقصود به ليس فرض أسعار إدارية أو تجميد الأثمان، بل إيجاد توازن اقتصادي يضمن للفلاح دخلاً منصفًا ويحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية للمستهلك، مع تمكين الموزعين من تحقيق هامش ربح منطقي ومبرر اقتصاديًا.

وفي واحدة من أبرز الرسائل السياسية التي حملها اللقاء، طالب بركة بإحداث قطيعة مع النموذج الحالي لتسويق المنتجات الفلاحية، معتبرًا أن إصلاح أسواق الجملة ظل مؤجلًا لسنوات طويلة رغم إدراك مختلف الحكومات المتعاقبة لحجم الاختلالات التي تعانيها.

كما اقترح تقليص عدد الوسطاء غير المنتجين، وإحداث شركات جهوية متخصصة تتولى الشراء المباشر من المنتجين والاستثمار في التخزين، إضافة إلى إنشاء مرصد وطني لتتبع هوامش الربح على غرار الآليات المعتمدة في قطاع المحروقات.

ويأتي هذا التصعيد في الخطاب بالتزامن مع اشتداد الجدل السياسي حول ملف الدعم العمومي المخصص لاستيراد الأغنام، الذي تحول خلال الأسابيع الأخيرة إلى محور مواجهة جديدة بين الأغلبية والمعارضة.

فالأخيرة تسعى إلى تفعيل آلية لجنة تقصي الحقائق البرلمانية من أجل التحقيق في كيفية تدبير هذا الدعم ومدى انعكاسه على أسعار السوق الوطنية، معتبرة أن من حق الرأي العام الاطلاع على مختلف المعطيات المرتبطة بهذا الملف.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن أحزاب المعارضة دخلت في مشاورات مكثفة لتأمين العدد اللازم من التوقيعات البرلمانية المطلوبة لتشكيل لجنة تقصي الحقائق، غير أن هذا المسار يصطدم بمعطى عددي يتمثل في عدم توفر المعارضة بمفردها على ثلث أعضاء مجلس النواب، وهو الشرط الذي يفرض البحث عن دعم إضافي من خارج مكوناتها السياسية.

وبينما تواصل المعارضة تحركاتها الرقابية، تبدو أحزاب الأغلبية في المقابل حريصة على إعادة توجيه النقاش نحو الملفات المرتبطة مباشرة بالمعيش اليومي للمواطنين، وعلى رأسها ملف الوسطاء والأسعار.

وهو ما يدفع عدداً من المراقبين إلى الاعتقاد بأن معركة الانتخابات المقبلة قد لا تخاض فقط على أساس تقييم الحصيلة الحكومية، بل أيضا على أساس القدرة على إقناع الناخبين بوجود حلول عملية لأزمة القدرة الشرائية.

آخر الأخبار