أوروبا تراقب باهتمام.. المغرب يقترب من تحول مائي غير مسبوق

الكاتب : انس شريد

13 يونيو 2026 - 10:00
الخط :

يتجه المغرب بخطى متسارعة نحو إحداث تحول جذري في منظومته المائية من خلال رهان استراتيجي غير مسبوق يقوم على توسيع الاعتماد على تحلية مياه البحر لتأمين حاجياته من الماء الشروب خلال السنوات المقبلة.

وفي وقت تتزايد فيه المخاوف المرتبطة بتداعيات التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية التقليدية، أصبحت التجربة المغربية محط اهتمام متنام داخل عدد من الأوساط الإعلامية والاقتصادية الأوروبية التي تتابع عن كثب السياسات التي تعتمدها المملكة لمواجهة واحدة من أكبر التحديات البيئية في القرن الحادي والعشرين.

وسلطت عدة تقارير إعلامية إسبانية الضوء على الطموح المغربي المتزايد في مجال تحلية مياه البحر، من بينها صحيفة أوكيداريو الإسبانية التي اعتبرت أن المملكة تمضي نحو تنفيذ واحد من أكثر المشاريع جرأة في منطقة البحر الأبيض المتوسط والقارة الإفريقية، وذلك عبر هدف استراتيجي يتمثل في جعل ما يقارب 60 في المائة من مياه الشرب بالمغرب مصدرها مياه البحر المحلاة بحلول سنة 2030.

ويعكس هذا التوجه تحولا عميقا في فلسفة تدبير الموارد المائية بالمملكة التي انتقلت من الاعتماد شبه الكلي على التساقطات المطرية والسدود إلى تنويع مصادر التزود بالمياه عبر استثمارات ضخمة في البنيات التحتية الحديثة.

وبحسب المعطيات التي تناولتها وسائل إعلام إسبانية، فإن المغرب يطمح إلى رفع حجم إنتاج المياه المحلاة إلى ما يقارب 1.7 مليار متر مكعب سنويا خلال السنوات المقبلة، وهو ما يمثل قفزة كبيرة مقارنة بالمستويات الحالية.

وترى تقارير أوروبية أن هذا الهدف يعكس وعيا رسميا متزايدا بضرورة الاستعداد المبكر للتحولات المناخية التي باتت تؤثر بشكل مباشر على الأمن المائي والغذائي في المنطقة، خاصة بعد سنوات متتالية من الجفاف أثرت على المخزون المائي والقطاع الفلاحي والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمياه.

ويأتي هذا التوجه في سياق دولي يشهد بدوره اهتماما متزايدا بتقنيات تحلية مياه البحر. فعدد من الدول، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، شرع في تطوير مشاريع ومحطات متخصصة في هذا المجال، غير أن العديد من المراقبين يرون أن الطموح المغربي يتميز بحجمه واتساع نطاقه مقارنة بعدد من المبادرات الدولية الأخرى.

فالمملكة لا تتعامل مع التحلية كمشروع تكميلي أو ظرفي، بل كأحد الأعمدة الأساسية لاستراتيجيتها المائية المستقبلية، خصوصا في المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

وتشير التقارير الإسبانية إلى أن المغرب يتوفر حاليا على مجموعة من محطات تحلية مياه البحر الموزعة على عدد من المدن الساحلية، إلى جانب مشاريع أخرى توجد في مراحل مختلفة من الإنجاز والتطوير.

ويهدف هذا التوسع إلى تلبية احتياجات الاستهلاك الحضري والصناعي والفلاحي، مع تخفيف الضغط على الموارد المائية التقليدية التي أصبحت أكثر عرضة للتقلبات المناخية وتراجع معدلات التساقطات خلال السنوات الأخيرة.

ويشكل مشروع محطة تحلية مياه البحر الكبرى بالدار البيضاء حجر الزاوية في هذه الرؤية الوطنية الطموحة. فالمشروع المرتقب إنجازه بمنطقة سيدي رحال جنوب العاصمة الاقتصادية للمملكة يعد من أكبر المشاريع المائية في المنطقة، إذ يستهدف إنتاج نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنويا عبر الاعتماد على تقنية التناضح العكسي التي تعد من أكثر التقنيات استخداما في قطاع التحلية على المستوى العالمي.

ومن المنتظر أن يساهم هذا المشروع في تزويد ملايين المواطنين بالماء الشروب، ليس فقط داخل الدار البيضاء، بل أيضا في عدد من المناطق المجاورة مثل برشيد وسطات وبئر جديد ومراكز عمرانية أخرى تعرف نموا سكانيا متواصلا.

وتبرز أهمية المشروع في كونه يأتي استجابة للطلب المتزايد على المياه داخل واحدة من أكبر التجمعات الحضرية بالمملكة.

كما يرتقب أن يساهم في تعزيز الأمن المائي لأزيد من سبعة ملايين نسمة، في وقت أصبحت فيه الموارد التقليدية تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة النمو الديمغرافي والتوسع العمراني والتغيرات المناخية المتسارعة.

وتفيد المعطيات المتداولة في الأوساط الإعلامية الإسبانية بأن المشروع سيتم إنجازه في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال عقد طويل الأمد يشمل مراحل البناء والتشغيل والصيانة على مدى سنوات عديدة.

ويقدر حجم الاستثمارات المخصصة لهذا الورش الاستراتيجي بمئات ملايين اليوروهات، ما يجعله من بين أكبر الاستثمارات المائية المسجلة بالمغرب خلال السنوات الأخيرة.

كما تحظى هذه المشاريع باهتمام عدد من الفاعلين الدوليين، حيث تشارك شركات متخصصة في مجالات البنيات التحتية والطاقة والتمويل ضمن التحالفات المكلفة بتنفيذ بعض مكونات المشروع.

وتحدثت تقارير إعلامية إسبانية عن مساهمة شركات من إسبانيا في هذا الورش من خلال خبراتها التقنية وقدراتها الاستثمارية، في إطار التعاون الاقتصادي المتنامي بين الرباط ومدريد.

ورغم الإشادة الواسعة التي تحظى بها الاستراتيجية المغربية داخل عدد من الأوساط الدولية، فإن خبراء البيئة والموارد المائية يؤكدون أن تحلية مياه البحر ليست حلا سحريا لكل التحديات المرتبطة بندرة المياه. فهذه التقنية تتطلب استثمارات مالية كبيرة وتستهلك كميات مهمة من الطاقة، ما يجعل تكلفة إنتاج المياه المحلاة أعلى مقارنة ببعض المصادر التقليدية.

كما تطرح تحديات بيئية مرتبطة بكيفية تدبير المخلفات الملحية الناتجة عن عملية التحلية وتأثيرها المحتمل على الأنظمة البيئية البحرية إذا لم تتم معالجتها وفق المعايير البيئية المعتمدة.

ويأتي الاهتمام الأوروبي المتزايد بالتجربة المغربية في وقت تواجه فيه عدة دول بالقارة تحديات متصاعدة مرتبطة بالأمن المائي. فالتقارير الإعلامية الإسبانية تشير إلى أن موجات الجفاف المتكررة أصبحت واقعا متواصلا في عدد من مناطق جنوب أوروبا، بينما تتزايد المخاوف من تراجع المخزونات المائية وارتفاع الطلب على المياه بفعل الأنشطة الاقتصادية والسياحية والزراعية.

وفي ظل هذه المعطيات، بدأ عدد من الخبراء والباحثين الأوروبيين، وفقا للتقارير الاسبانية، ينظرون إلى التجربة المغربية باعتبارها نموذجا قائما على التخطيط الاستباقي والاستثمار طويل الأمد بدل الاقتصار على تدابير الطوارئ الموسمية.

آخر الأخبار