مليارات النظافة على طاولة الحسم بالبيضاء.. والمعارضة ترفع منسوب التحذير
دخل ملف عقود النظافة وجمع النفايات بمدينة الدار البيضاء مرحلة حاسمة، بعدما شرعت الجهات المعنية في استكمال آخر الإجراءات المرتبطة باختيار الشركات التي ستتولى تدبير هذا القطاع الحيوي خلال السنوات المقبلة، في واحدة من أكبر الصفقات الجماعية على الصعيد الوطني بالنظر إلى حجم الاعتمادات المالية المرصودة لها والرهانات المرتبطة بتحسين جودة الخدمات داخل العاصمة الاقتصادية للمملكة.
ووفق معطيات حصلت عليها الجريدة 24 من مصادرها، فإن جماعة الدار البيضاء كثفت خلال الأيام الأخيرة اجتماعاتها بحضور العمدة نبيلة الرميلي ووالي جهة الدار البيضاء-سطات نبيلة الرميلي، لتتبع مسطرة تقييم الملفات والعروض المقدمة من الشركات المتنافسة، وذلك في إطار المراحل النهائية التي تسبق الإعلان الرسمي عن نتائج الصفقات الخاصة بتدبير خدمات النظافة وجمع النفايات المنزلية بمختلف مقاطعات المدينة.
وأفادت المصادر ذاتها بأن المنافسة انحصرت بين ثلاث شركات كبرى هي "أرما" و"إس أو إس إن دي دي" و"ميكومار"، حيث خضعت عروضها لعمليات تدقيق شملت الجوانب القانونية والإدارية والتقنية والمالية، بهدف اختيار العروض التي تستجيب بشكل أفضل للمعايير الجديدة التي وضعتها الجماعة ضمن دفتر التحملات المعتمد مؤخرا.
ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة بالنظر إلى الانتظارات الكبيرة التي يعقدها سكان الدار البيضاء على العقود الجديدة، بعدما ظل قطاع النظافة خلال السنوات الماضية محل انتقادات متكررة بسبب عدد من الاختلالات المرتبطة بجودة الخدمات وتفاوت مستويات التدخل بين مختلف الأحياء، فضلا عن استمرار بعض النقاط السوداء المتعلقة بتراكم النفايات والإيداعات العشوائية في عدد من المناطق.
وتراهن الجماعة على إحداث تحول نوعي في تدبير القطاع من خلال اعتماد نموذج جديد يقوم على تعزيز النجاعة الميدانية وتحسين المراقبة وتتبع أداء الشركات المفوض لها، وذلك في إطار رؤية تروم الارتقاء بالمشهد الحضري للمدينة وتوفير خدمات أكثر استجابة لمتطلبات الساكنة، خاصة في ظل المكانة الاقتصادية والاستثمارية التي تحتلها الدار البيضاء على الصعيد الوطني.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن الكلفة الإجمالية للعقود الجديدة تقترب من 120 مليار سنتيم، ما يجعلها من بين أكبر الصفقات التي أطلقتها الجماعة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس حجم الرهانات المرتبطة بهذا القطاع الحيوي الذي يرتبط بشكل مباشر بصورة المدينة وجودة الحياة داخل مختلف أحيائها.
وكان مجلس جماعة الدار البيضاء قد صادق بالإجماع خلال دورة شهر مارس الماضية على دفتر التحملات الجديد، الذي اعتمد مقاربة تقوم على تقسيم المدينة إلى أربع مناطق تدبيرية مستقلة، بهدف تسهيل عمليات التتبع والمراقبة وتحسين فعالية التدخلات الميدانية.
ويشمل التقسيم الجديد المنطقة الأولى التي تضم عمالتي أنفا والفداء مرس السلطان، والمنطقة الثانية التي تشمل الحي الحسني وعين الشق، فيما تضم المنطقة الثالثة مولاي رشيد وبن مسيك، بينما تشمل المنطقة الرابعة عين السبع وسيدي البرنوصي.
وأكدت مصادر الجريدة 24 أن المؤشرات الأولية لعملية التقييم أفرزت تقدما ملحوظا لشركة "أرما"، التي تمكنت من الظفر مبدئيا بعقدي المنطقتين الأولى والثانية، في انتظار استكمال المساطر المتعلقة بالحسم النهائي في باقي المناطق خلال الأيام المقبلة.
وتتضمن العقود الجديدة مجموعة من الالتزامات التقنية التي تهدف إلى رفع مستوى الخدمات وتحسين مراقبة الأداء، من خلال توظيف حلول رقمية متطورة لتتبع عمليات جمع النفايات بشكل لحظي، فضلا عن توسيع نطاق الكنس الميكانيكي بالمحاور الرئيسية والشوارع الكبرى، واعتماد تجهيزات جديدة تستجيب للمعايير الدولية المعمول بها في المدن الكبرى.
كما يرتقب أن تشهد المدينة إحداث ما يقارب 4700 نقطة جديدة لجمع النفايات، إلى جانب تثبيت نحو 8400 سلة مهملات بمختلف الفضاءات العمومية، مع اعتماد برامج دورية للصيانة والتفريغ اليومي، وإلزام الشركات بالتدخل السريع لمعالجة أي اختلالات أو شكايات داخل آجال زمنية محددة.
وتشمل الإصلاحات المرتقبة أيضا فرض جمع النفايات بشكل يومي طيلة أيام الأسبوع دون استثناء، مع تقليص مدة التدخل لمعالجة الإيداعات العشوائية إلى ساعات معدودة، فضلا عن اعتماد المياه المعالجة في عمليات غسل الشوارع والساحات العمومية، في إطار التوجهات الجديدة الرامية إلى ترشيد استهلاك الموارد المائية وتعزيز البعد البيئي في تدبير المرافق العمومية.
وفي مقابل هذه الرؤية التي تدافع عنها الأغلبية المسيرة للجماعة باعتبارها خطوة ضرورية لتجاوز الاختلالات المتراكمة، برزت أصوات معارضة أبدت تحفظات بشأن الكلفة المالية المرتفعة للعقود الجديدة، محذرة من انعكاساتها المحتملة على الوضعية المالية للجماعة خلال السنوات المقبلة.
ووفقا لمصادر الجريدة 24، فإن عددا من المستشارين المحسوبين على المعارضة عبروا عن قلقهم من الارتفاع الكبير في ميزانية تدبير قطاع النظافة مقارنة بالعقود السابقة، معتبرين أن التقديرات المالية المتداولة قد تتجاوز بكثير الأرقام التي كانت معتمدة خلال السنوات الماضية.
وترى هذه الأصوات أن الكلفة السنوية للقطاع قد تقترب من ملياري درهم، وهو ما من شأنه أن يضاعف الضغوط المالية على الجماعة في ظل الالتزامات المتزايدة التي تواجهها، خصوصا المرتبطة بتمويل المشاريع الكبرى وتسديد الديون المتراكمة وتنفيذ برامج التأهيل الحضري.
وبين رهانات تحسين جودة الخدمات ومخاوف ارتفاع الكلفة المالية، يظل ملف النظافة أحد أكثر الملفات حساسية داخل العاصمة الاقتصادية، في انتظار الإعلان الرسمي عن النتائج النهائية للصفقات الجديدة التي ستحدد ملامح تدبير هذا القطاع خلال المرحلة المقبلة، وسط آمال واسعة بأن تشكل العقود المرتقبة نقطة تحول حقيقية في معالجة واحدة من أبرز الإشكالات التي ظلت تؤرق ساكنة الدار البيضاء لسنوات طويلة.