الطماطم المغربية تربك المنتجين الإسبان.. ومزارعون: المنافسة باتت شبه مستحيلة
تتواصل تداعيات المنافسة المتصاعدة بين المغرب وإسبانيا في سوق الخضر والفواكه الأوروبية، مع تزايد شكاوى المنتجين الإسبان من الضغوط التي تفرضها الطماطم المغربية على القطاع الزراعي في جنوب إسبانيا، حيث يؤكد مزارعون ومهنيون أن الفارق الكبير في تكاليف الإنتاج أصبح ينعكس بشكل مباشر على القدرة التنافسية للمنتجات الإسبانية داخل الأسواق الأوروبية.
وأفادت تقارير إعلامية إسبانية حديثة بأن عددا من مزارعي الطماطم اضطروا خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص المساحات المخصصة لهذه الزراعة أو التحول نحو محاصيل أخرى أقل كلفة من حيث اليد العاملة، في ظل ما يصفونه بتراجع جدوى إنتاج الطماطم مقارنة بالمنافسة القادمة من المغرب، الذي عزز حضوره بشكل متواصل داخل الأسواق الأوروبية بفضل أسعار أكثر تنافسية.
وتنقل وسائل إعلام إسبانية حالة من القلق المتزايد في الأوساط الزراعية، خاصة في المناطق المعروفة بإنتاج الطماطم داخل البيوت الزراعية، حيث يؤكد المنتجون أن ارتفاع تكاليف العمالة والطاقة والنقل والمواد الزراعية بات يشكل تحديا حقيقيا أمام استمرار عدد من الاستغلاليات الفلاحية في نشاطها بالوتيرة السابقة، في وقت تواصل فيه الواردات المغربية توسيع حصتها السوقية.
وفي هذا السياق، أوردت صحيفة "فوزبوبولي" الإسبانية تصريحات لأندريس غونغورا، المزارع المنحدر من منطقة ألميريا والأمين العام الحالي لمنظمة "COAG" التي تمثل منظمات المزارعين ومربي الماشية بإسبانيا، أكد فيها أن المنافسة مع الطماطم المغربية أصبحت بالغة الصعوبة بسبب الفوارق الكبيرة في تكاليف الإنتاج، مشددا على أن المنتجين الإسبان يجدون أنفسهم أمام واقع اقتصادي يجعل مجاراة الأسعار المعروضة من قبل المنافسين أمرا معقدا.
وأوضح غونغورا أن أحد أبرز عناصر هذا التفاوت يرتبط بتكاليف اليد العاملة، مشيرا إلى أن تكلفة يوم عمل من ثماني ساعات في إسبانيا تصل إلى نحو 90 يورو، بينما لا تتجاوز في المغرب حوالي 8 يوروهات للفترة الزمنية نفسها.
وهو فارق يعتبره عاملا حاسما في تحديد القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية، خصوصا بالنسبة للمحاصيل التي تتطلب تدخلا بشريا مكثفا خلال مراحل الزراعة والجني والتوضيب.
وبحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية، فإن هذا الوضع يؤثر بشكل خاص على الطماطم الكرزية التي تحتاج إلى عمليات حصاد يدوية متكررة وتتطلب عددا أكبر من العمال مقارنة بمحاصيل أخرى، الأمر الذي دفع العديد من المنتجين إلى إعادة النظر في اختياراتهم الزراعية والتوجه نحو زراعات بديلة مثل الفلفل والخيار، في محاولة للتخفيف من تأثير ارتفاع تكاليف الإنتاج.
ووفقا لما نقلته الصحيفة الاسبانية عن الأمين العام الحالي لمنظمة "COAG" التي تمثل منظمات المزارعين ومربي الماشية بإسبانيا، فإن هذا التحول لا يقتصر تأثيره على محصول الطماطم فقط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الخريطة الزراعية في عدد من المناطق المنتجة، حيث يؤدي انتقال المزارعين نحو محاصيل معينة إلى زيادة العرض الداخلي وارتفاع حدة المنافسة بين المنتجين المحليين أنفسهم، ما يضيف تحديات جديدة أمام القطاع الزراعي الإسباني.
وتعكس الأرقام المتداولة حجم التغيرات التي شهدها قطاع الطماطم بإسبانيا خلال السنوات الأخيرة، إذ أكد غونغورا أن المساحات المخصصة لزراعة الطماطم الشتوية سجلت تراجعا ملحوظا خلال العقد الماضي، بعدما انخفضت من نحو 12 ألف هكتار إلى ما يقارب 8 آلاف هكتار، ما يعني فقدان حوالي 4 آلاف هكتار من هذه الزراعة خلال عشر سنوات فقط.
وفي مقابل هذا التراجع، يواصل المغرب تعزيز حضوره في الأسواق الأوروبية باعتباره أحد أبرز موردي الطماطم إلى الاتحاد الأوروبي، مستفيدا من موقعه الجغرافي القريب من القارة الأوروبية ومن تطور بنيته التصديرية والفلاحية، إلى جانب قدرته على توفير كميات مهمة من المنتجات بأسعار تنافسية تلائم متطلبات سلاسل التوزيع الكبرى.
ويؤكد المنتجون الإسبان أن الإشكال لا يرتبط فقط بالمنافسة الخارجية، بل أيضا بطريقة توزيع الأرباح داخل سلسلة التسويق، إذ يرون أن الأسعار النهائية التي يؤديها المستهلك الأوروبي لا تعكس بالضرورة الأوضاع التي يعيشها المنتجون في الحقول، معتبرين أن جزءا مهما من هامش الربح يتم امتصاصه في مراحل أخرى من سلسلة التوزيع والتسويق.
وتدعم بيانات القطاع الزراعي هذه المخاوف، حيث أظهرت معطيات الجمارك التي عالجتها مؤسسة "FEPEX" الإسبانية ارتفاع واردات الطماطم المغربية بنسبة 55 في المائة خلال العام الماضي، لتصل إلى 65 ألفا و615 طنا، وهو تطور يعكس استمرار تنامي حضور المنتوج المغربي داخل السوق الإسبانية والأوروبية، ويؤشر في الوقت نفسه إلى احتدام المنافسة بين المنتجين على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
ويبدو أن الجدل حول مستقبل قطاع الطماطم في إسبانيا مرشح للاستمرار خلال السنوات المقبلة، في ظل مطالبة المنظمات المهنية الإسبانية بإيجاد آليات تضمن ما تعتبره منافسة متوازنة داخل الأسواق الأوروبية، بينما يواصل المغرب ترسيخ موقعه كفاعل رئيسي في تجارة المنتجات الفلاحية الموجهة للتصدير، مستفيدا من دينامية إنتاجية وتجارية جعلته أحد أبرز الموردين الزراعيين للقارة الأوروبية.