أرقام أجنبية وتضليل رقمي.. مجلس حقوق الإنسان يكشف كواليس التعبئة للعبور إلى سبتة
أعاد المجلس الوطني لحقوق الإنسان فتح ملف العبور الجماعي نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، كاشفا عن معطيات جديدة ترسم صورة أكثر تعقيدا للأحداث التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة من شهر يوليوز وبداية شهر غشت، بعدما أظهرت عمليات الرصد الميداني والرقمي أن منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى فضاء أساسي للتعبئة والتنسيق وتبادل المعلومات بين الراغبين في العبور، إلى جانب رصد حسابات وأرقام هاتفية أجنبية داخل مجموعات مغربية، ومضامين أثارت شبهات بشأن احتمال وجود وسطاء أو شبكات قد تكون مرتبطة بالاتجار بالبشر.
وبحسب الخلاصات الأولية التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن عمليات الرصد التي باشرها، فقد استُخدمت الفضاءات الرقمية في مختلف مراحل الإعداد لمحاولات العبور، بدءا من عرض وبيع معدات مرتبطة بالسباحة والرياضات البحرية، من قبيل سترات النجاة وملابس السباحة والمعدات المخصصة للأنشطة البحرية، وصولا إلى تداول الإرشادات المتعلقة بالمسالك ونقاط الالتقاء والتوقيت وطرق الوصول إلى سبتة، قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تنظيما من التنسيق عبر مجموعات على تطبيقي "واتساب" و"تلغرام".
ولم يقتصر النشاط الرقمي على تبادل المعلومات بين الراغبين في العبور، إذ رصد المجلس منشورات تقدم ما وصف بخدمات لتنظيم رحلات العبور أو تسهيلها، إلى جانب نشر معلومات دقيقة حول أماكن المراقبة والمسالك والتوقيتات التي اعتبرها أصحاب تلك المنشورات مناسبة للعبور، فضلا عن تداول تجارب أشخاص سبق لهم الوصول إلى سبتة، وهي مضامين رأى المجلس أنها تثير مؤشرات على احتمال وجود وسطاء أو شبكات تنشط في مجال الاتجار بالبشر.
وفي السياق ذاته، كشف المجلس عن وجود حسابات وأرقام هاتفية أجنبية داخل مجموعات مغربية كانت تنشر أخبارا زائفة ومضامين تحرض على العبور أو تقدم إرشادات بشأن كيفية تسهيله. وأشار إلى أن إحدى المجموعات التي كانت تتداول عبر "واتساب" معلومات حول طرق الوصول إلى سبتة قامت بحذف جميع الأرقام الهاتفية التي تحمل الرمز الدولي لدولة أجنبية، بينما ضمت مجموعة أخرى أكثر من 18 رقما هاتفيا يعود إلى الدولة الأجنبية نفسها.
وشملت عمليات الرصد التي قام بها المجلس 23 مجموعة على منصة "فايسبوك"، بلغ مجموع أعضائها أكثر من مليون و86 ألف عضو، وكانت تنشر في المتوسط أكثر من ألف و400 تدوينة يوميا، قبل أن يتم حذف خمس مجموعات رئيسية منها بتاريخ 30 يوليوز 2026.
كما امتدت عملية التتبع إلى محتويات الفيديوهات والشهادات والمنشورات المتداولة على منصات "إكس" و"إنستغرام" و"تيك توك"، بالتوازي مع الاستماع إلى عدد من الشباب والأطفال خلال توجههم نحو سبتة أو مليلية، وكذلك في المناطق المحاذية لنقط العبور، بهدف الوقوف على طبيعة التعبئة ومساراتها ودور المحتوى الرقمي في توجيه الراغبين في المشاركة في عمليات العبور الجماعي.
ويربط المجلس تصاعد التعبئة الرقمية، في جانب مهم منه، بانتشار تأويلات مرتبطة بقرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026 الصادر بتاريخ 8 يوليوز، والذي أكد أن المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر لا يخضعون لنظام الإرجاع الفوري على الحدود، وإنما لإجراء الإرجاع المنصوص عليه في قانون الأجانب.
وفي اليوم نفسه، رصد المجلس أول محتوى وصفه بالمضلل على صفحة يتجاوز عدد متابعيها 90 ألف شخص، زعم أن المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر أثناء السباحة باتجاه سبتة أو مليلية "لا يمكن إرجاعهم"، مقدما هذه المعلومة على أنها منقولة عن "وفد حكومي إسباني".
وبتاريخ 13 يوليوز، ظهر محتوى مماثل داخل مجموعة كانت تضم، قبل حذفها، أكثر من 124 ألف عضو، وكانت تنشر في المتوسط 231 تدوينة يوميا. واتسعت دائرة انتشار هذه التأويلات، بحسب المجلس، بعد وصول شابة من مدينة العرائش إلى سبتة سباحة بتاريخ 28 يوليوز، وانتشار صورتها رفقة صديقتها وهما ترفعان شارة النصر.
واعتبر المجلس أن الصورة تحولت إلى مادة للترويج والتضليل نتيجة تأويل غير دقيق أو مغرض لقرار المحكمة العليا الإسبانية، قبل أن تشهد ليلة 29 يوليوز انتشار أخبار ومضامين تزعم أن "الحدود مفتوحة"، الأمر الذي ساهم في تغذية موجة التعبئة الرقمية التي سبقت عمليات العبور الجماعي.
وخلال عمليات التقصي الميداني، أفادت مجموعات من الشباب بأنها تلقت رسائل عبر تطبيق "واتساب" تحثها على التوجه نحو بوابة العبور بعد منتصف الليل، بهدف المشاركة في مرور جماعي إلى سبتة، وهو ما يعكس، وفق المعطيات التي رصدها المجلس، انتقال التعبئة من مجرد تداول المعلومات إلى توجيه تحركات ميدانية في توقيتات وأماكن محددة.
وفي الجانب الإنساني، كشف المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن حصيلة ثقيلة للوفيات المرتبطة بأحداث العبور، موضحا أن عدد الوفيات بلغ، إلى غاية 6 غشت، 14 شخصا وفق المعطيات المغربية، في حين أعلنت سلطات سبتة وفاة 80 شخصا، وهو فارق كبير في الأرقام دفع المجلس إلى الدعوة إلى اعتماد آلية مشتركة ومسؤولة للتدقيق في الحصيلة النهائية للضحايا.
وأشار المجلس إلى أن جثامين لا تزال مودعة بمستودع الأموات في انتظار استكمال إجراءات التعرف عليها وتسليمها إلى أسرها، داعيا إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعرف على الضحايا وإعادة جثامينهم إلى ذويهم من أجل دفنهم في ظروف تحترم الكرامة الإنسانية.
وكانت السلطات المغربية قد أعلنت، بتاريخ 2 غشت، عبور 40 ألف شخص إلى سبتة و1135 شخصا في اتجاه مليلية، في حين قدمت سلطات سبتة أرقاما متضاربة بخصوص عدد العابرين، إذ انتقلت المعطيات التي أعلنتها من 50 ألفا إلى 60 ألفا ثم إلى 72 ألف شخص، بحسب ما أورده المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
ولم يقتصر التضارب في المعطيات الإسبانية على عدد الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة، وإنما امتد كذلك إلى أعداد الذين غادروا المدينة طواعية، والأشخاص الذين قرروا البقاء فيها، فضلا عن عدد الأطفال غير المرافقين الموجودين داخل المدينة، الأمر الذي زاد من صعوبة تكوين صورة رقمية دقيقة وموحدة حول حجم الأحداث ونتائجها.
وعلى مستوى الإصابات، أفادت المعطيات المتوفرة لدى المجلس بتسجيل 136 إصابة طفيفة في صفوف المدنيين، فيما جرى نقل 13 مصابا إلى المؤسسات الاستشفائية، خصوصا بسبب الكسور أو الحاجة إلى الخضوع لفحوصات بالأشعة المقطعية.
وفي صفوف القوات العمومية المغربية، تلقى 87 عنصرا استشارات وعلاجات طبية، بينما لم تسجل السلطات الإسبانية، بحسب الوثيقة، أي تصريح بشأن الإصابات المحتملة في صفوف قواتها.
كما رصد المجلس أضرارا مادية طالت نحو 61 سيارة خاصة و15 دراجة نارية و18 سيارة تابعة للقوات العمومية في مدينة الفنيدق وباب سبتة، إلى جانب تسجيل حالات رشق بالحجارة وإضرام النار في مركبات وإلحاق أضرار بالممتلكات العامة.
وفي ما يتعلق بالمتابعات القضائية، أفاد المجلس بأن عدد الموقوفين على خلفية أحداث سبتة بلغ نحو 100 شخص، من بينهم 11 حدثا، موضحا أن 69 شخصا يتابعون في حالة اعتقال، بينما يتابع 14 شخصا في حالة سراح.
وبالنسبة إلى الأحداث، أودع ستة منهم بمراكز الرعاية الاجتماعية، فيما جرى تسليم خمسة إلى أولياء أمورهم، في حين تم حفظ ملفات ستة أشخاص لانعدام الفعل الجرمي.
أما في بني أنصار، فقد أحيل 23 شخصا على محكمة الاستئناف بالناظور، من بينهم أجنبيان، إلى جانب إحالة 11 قاصرا على التحقيق أمام المحكمة نفسها.
وبالتوازي مع ما شهدته عمليات العبور من تداعيات داخل المغرب، توقف المجلس الوطني لحقوق الإنسان عند الظروف التي عاشها آلاف الأشخاص داخل سبتة، مشيرا إلى أن بينهم أطفالا ونساء وأشخاصا في وضعية هشاشة، وأنهم عانوا من الجوع والعطش لمدة يومين بعد قرار السلطات المحلية في سبتة إغلاق المتاجر والمقاهي والمطاعم والامتناع عن تقديم المساعدة للوافدين.
واستند المجلس في هذا الجانب إلى شهادات وصفها بالمتواترة، تفيد بأن عناصر أمنية تدخلت لإخراج شباب من مطاعم كانت قد قررت تقديم المساعدة لهم، معتبرا أن إغلاق المنشآت التجارية أدى إلى حرمان العابرين من الماء والتغذية.
كما وثق المجلس وصول مجموعات تنتمي إلى ما يسمى "النواة الوطنية" بإسبانيا إلى سبتة يوم فاتح غشت، وصنف أفرادها ضمن "النازيين الجدد"، مشيرا إلى أن المجموعة كانت قد دعت إلى التعبئة تحت شعار ما وصفته بـ"الدفاع" عن سبتة في مواجهة "الغزو".
وبحسب المجلس، أظهرت مقاطع فيديو تورط أفراد من هذه المجموعة في استفزاز الوافدين وسكان سبتة، ولا سيما المسلمين، فضلا عن تهديدهم ومطاردتهم وتعنيفهم.
ورصد فريق المجلس آثار ضرب وندوبا على أجساد عدد من الشباب، كما استمع إلى شهادات عائدين تضمنت ادعاءات متعددة ومتطابقة بشأن تعرضهم لسوء المعاملة والاعتداء من طرف قوات عمومية إسبانية، خصوصا في أماكن قال أصحاب هذه الشهادات إن الكاميرات لا توثقها.
وفي الجانب المغربي، سجل المجلس فرض إجراءات مشددة لتقييد تنقل أعداد كبيرة من الشباب نحو مدن الشمال، من خلال توقيف رحلات كانت متوجهة إلى المنطقة خلال أيام 29 و30 و31 يوليوز، خاصة بمحطات الحافلات والقطارات في الدار البيضاء والمحمدية والجديدة والقنيطرة وفاس ووجدة وإنزكان ومراكش والقصر الكبير.
وأثار المجلس، في السياق نفسه، حالات تتعلق باحتمال عدم احترام القواعد والمعايير المنظمة لاستخدام القوة خلال عمليات منع مواطنين وأجانب من العبور، ولا سيما مبدأي الضرورة والتناسب، كما أشار إلى رصد حالات تمس السلامة الجسدية للعابرين من طرف السلطات الإسبانية والمغربية.
وشملت الملاحظات كذلك الاعتداء على عناصر القوات العمومية المغربية، فضلا عن تسجيل عودة طوعية لآلاف العابرين وإرجاع عدد آخر بشكل قسري، بينهم قاصرون، مع تأكيد المجلس أنه رصد أيضا حالات عدم التقيد بالمعايير والضمانات القانونية الواجبة في عمليات الإعادة أو الإرجاع، بما فيها الضمانات المرتبطة بوصول الأجانب إلى إجراءات اللجوء.
وفي ملف آخر مرتبط بالمحتوى الرقمي، استمعت اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى شخص ظهرت واقعة تهديد سلامته الجسدية من طرف أحد أفراد القوات العمومية في محتوى جرى تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي.
وأعلن المجلس أنه سيضع تقرير الاستماع لدى النيابة العامة من أجل إعمال القانون، غير أنه أوضح في المقابل أن صورة الواقعة تعرضت للتعديل وإعادة التشكيل باستخدام الذكاء الاصطناعي، كما جرى تداول صورة أخرى قُدمت على أنها توثق إصابات تعرض لها الشخص المعني، رغم أنها لا ترتبط بسياق الواقعة.
ولم تسلم التغطية الإعلامية بدورها من الانتقادات التي أوردها المجلس، إذ سجل حالات تضليل إعلامي تورطت فيها قنوات فضائية نشرت محتويات حول عمليات "عبور" دون التحقق من صحتها، قبل أن تقوم بسحبها من دون تقديم توضيح أو اعتذار، إلى جانب ما وصفه المجلس بالتهافت الإعلامي والرقمي على طرح فرضيات وتأويلات متسرعة ومطلقة مباشرة بعد وقوع الأحداث.
وفي ضوء هذه المعطيات، حذر المجلس الوطني لحقوق الإنسان من تداعيات الاستغلال السياسي لأحداث العبور الجماعي، معبرا عن إدانته لتصاعد الخطاب المعادي للهجرة وحقوق المهاجرين وأسرهم، وكذلك المستويات التي بلغها التحريض على الكراهية والعنصرية تجاه الأجانب.
وخلص المجلس إلى أن محاولات العبور الجماعي التي شارك فيها شباب وقاصرون باتجاه سبتة ومليلية لا يمكن اختزالها في مقاربة تقليدية تجعل الفقر أو الهشاشة التفسير الوحيد لهذه الظاهرة، معتبرا أن الظاهرة أكثر تعقيدا وتتداخل فيها عوامل اجتماعية ونفسية ورقمية وسياسية متعددة.
وأكد المجلس أن الهجرة يمكن أن تكون أيضا قرارا شخصيا يرتبط بتحول عميق في تطلعات الأفراد ورغبتهم في الانتقال من مكان إلى آخر، خصوصا في ظل مجتمعات رقمية باتت، في جوهرها، ترفض منطق الحدود والحواجز، وهو ما يجعل فهم الظاهرة يتطلب تجاوز القراءات الأحادية والبحث في مختلف العوامل التي تدفع الشباب والقاصرين إلى خوض مثل هذه المحاولات.
وتكشف الخلاصات الأولية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، في مجملها، عن مشهد مركب تتقاطع فيه التعبئة الرقمية مع الأخبار المضللة، وشبهات تدخل وسطاء أو شبكات، والتحديات المرتبطة بحماية حقوق المهاجرين، فضلا عن صعوبة توحيد الأرقام والمعطيات المتعلقة بالوفيات والإصابات وأعداد العابرين.