الثقافة في البرامج الانتخابية من ترف فكري إلى رافعة للاستثمار وتثمين الهوية

الكاتب : الجريدة24

22 September 2026 - 02:00
الخط :

محمد أوعزيز (ومع)

يبرز سؤال الثقافة في برامج الأحزاب السياسية التي تخوض الاستحقاقات التشريعية المقررة غدا الأربعاء ليؤشر على تحول جوهري في التعاطي مع الشأن الثقافي، والانتقال به من مجرد "ترف فكري" يؤثت الحملات الانتخابية، إلى محور استراتيجي يتقاطع مع التنمية الاقتصادية، وتثمين الهوية الوطنية، وتعزيز الإشعاع الدبلوماسي والجاذبية الحضارية للمملكة.

وتتأرجح العروض السياسية، في مقاربتها لرهان الثقافة، بين توجهات تغلب الطابع الاستثماري الذي يعتمد لغة الأرقام والمؤشرات، وأخرى تركز على الجانب القيمي المتصل بالهوية والتنشئة المجتمعية، مع تسجيل تقاطعات كبرى في ملفات كالأمازيغية والوضعية الاجتماعية للفنان.

وأفردت عدة عروض سياسية حيزا هاما للجانب المالي والاستثماري للثقافة، تضمن التزاما صريحا برفع ميزانية القطاع الثقافي ضمن الميزانية العامة للمملكة.

وتطرح هذه البرامج رؤية تروم إدماج الصناعات الثقافية والإبداعية في النسيج الاقتصادي، حيث تسعى لرفع مساهمة هذه الصناعات في الناتج الداخلي وتأهيلها لتصبح قطبا لخلق مناصب شغل.

كما تركز مقترحات أخرى على هذه الصناعات كقطاع واعد لتثمين طاقات الشباب، ودعم مجالات السينما، والموسيقى، والنشر، والألعاب الإلكترونية، مع الدعوة إلى تعزيز الحكامة في دعم التظاهرات الفنية والثقافية.

وعلى مستوى البنيات التحتية، تبرز وعود الأحزاب المتنافسة بـ "دمقرطة" الولوج إلى الثقافة، من خلال اقتراح إنشاء مرافق ثقافية للقرب، وإحداث وتجديد قاعات سينمائية ومسارح، فضلا عن إحداث مكتبات ومراكز ثقافية عمومية مجانية.

في المقابل، تفضل مقاربات أخرى التركيز على الأبعاد الكيفية والقيمية، حيث تربط البعد الثقافي بالحفاظ على منظومة القيم، مع الطموح إلى صياغة سرديات مغربية من خلال تأهيل الفن والسينما وإطلاق مشاريع تعزز الانتماء.

كما تتضمن العروض الانتخابية مقترحات تروج للثقافة والقيم، مع التركيز على دعم المحتوى الرقمي والإعلامي الهادف لحماية الذاكرة الوطنية والتنشئة التربوية.

وتستهدف هذه البرامج جعل "الدبلوماسية الثقافية" حجر الزاوية في الرؤية التنموية، باعتبار التراث الوطني "قوة ناعمة" لتعزيز الحضور الدولي للمملكة، واستثمار الرأسمال اللامادي لمغاربة العالم وتقوية روابط الأجيال الصاعدة بهويتهم.

ويشكل التنزيل الفعلي للطابع الرسمي للأمازيغية نقطة مشتركة بارزة في البرامج الانتخابية، حيث انتقلت الالتزامات من الشعارات إلى الأجندات الزمنية والمؤشرات الرقمية، وتضمنت التعهد بتعميم تدريسها بنسبة 100 في المائة في المدارس، واستعمالها في الإدارات والمحاكم.

وذهبت التزامات أخرى إلى وضع جدولة زمنية ملزمة لتعميم تدريس الأمازيغية، مع الالتزام بإدماجها بحروف "تيفيناغ" في الفضاء الرقمي وفي الوثائق الرسمية كالأوراق النقدية وجوازات السفر، إلى جانب تثمين الثقافة الحسانية وباقي الروافد الإفريقية والعبرية والأندلسية.

ولم تغفل البرامج الانتخابية العنصر البشري، إذ تقاطعت الرؤى حول ضرورة إدماج مهنيي الفنون في ورش الحماية الاجتماعية (التغطية الصحية، والتقاعد، والعقود النموذجية).

وتؤكد هذه المعطيات أن العرض السياسي لانتخابات 23 شتنبر أفرز وعيا حقيقيا بأهمية القطاع الثقافي، غير أن التحدي الأكبر يكمن في القدرة على تحويل هذه الوعود والتعهدات الانتخابية إلى سياسات عمومية ملموسة وفعالة قادرة على تحقيق العدالة المجالية والنهوض بالرأسمال البشري واللامادي للمملكة.

آخر الأخبار