ملف السكن يختبر الحكومة الجديدة.. تحديات ثقيلة تنتظر المدن والقرى
يشكل قطاع السكن أحد أبرز الملفات الاجتماعية المطروحة أمام الحكومة الجديدة، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف اقتناء العقارات، وصعوبة الولوج إلى السكن بالنسبة إلى الشباب والأسر محدودة ومتوسطة الدخل، فضلاً عن اتساع الفوارق بين الأحياء الحضرية والمناطق القروية في ما يتعلق بجودة المباني وتوفر التجهيزات الأساسية.
وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالاستقرار الأسري والعدالة المجالية والقدرة الشرائية، ما يجعل تدبيره اختباراً أساسياً لمدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للحاجيات اليومية للمواطنين.
ومع انطلاق المرحلة الحكومية الجديدة، عاد النقاش حول السكن إلى واجهة الأولويات، وسط انتظارات تتجاوز دعم اقتناء الشقق إلى معالجة الاختلالات البنيوية التي يعرفها المجال العمراني والقروي.
وفي هذا السياق، جرت، السبت بالعاصمة الرباط، مراسم تسليم السلط بين سمير بلفقيه، الذي عينه الملك محمد السادس وزيراً لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وفاطمة الزهراء المنصوري، في إطار انتقال المسؤولية عن قطاع يرتبط بمجموعة من الأوراش الاجتماعية والعمرانية التي تتطلب التنسيق بين مختلف المؤسسات والفاعلين.
وأكد بلفقيه، بمناسبة تسلمه مهامه الجديدة، اعتزازه بالثقة الملكية، مشدداً على أهمية القطاع في الحياة اليومية للمواطنين، وعلى ضرورة العمل من أجل الاستجابة لتطلعات مختلف الفئات، ولا سيما الشباب وسكان العالم القروي.
ويضع هذا الالتزام المسؤول الحكومي أمام تحديات متعددة، تتعلق بتوسيع فرص الحصول على السكن اللائق، وتحسين جودة التخطيط العمراني، والحد من الفوارق المجالية التي ما تزال تؤثر في ظروف العيش بعدد من المناطق.
من جهتها، شددت فاطمة السعدي، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، على البعد الاجتماعي والتنموي للقطاع، معتبرة أن توفير السكن الملائم والارتقاء بجودة المدن وتنظيم المجال الترابي تظل عناصر أساسية في خدمة الإنسان ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وتبرز هذه المقاربة الحاجة إلى تجاوز التعامل مع السكن باعتباره مجرد منتج عقاري، نحو اعتباره مرفقاً اجتماعياً تتداخل فيه متطلبات الجودة والسلامة والقدرة على تحمل التكاليف وتوفر الخدمات العمومية.
وتتصدر القدرة على اقتناء السكن قائمة الإشكالات التي تواجه شريحة واسعة من الأسر، خصوصاً في المدن الكبرى والمراكز الحضرية التي تعرف ضغطاً متزايداً على العقارات. فارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء وتكاليف التمويل، إلى جانب تفاوت مستويات الدخل، يجعل امتلاك مسكن مستقلاً هدفاً يصعب تحقيقه بالنسبة إلى عدد من الشباب والأسر حديثة التكوين.
كما أن محدودية العرض الموجه فعلياً إلى الفئات الأقل دخلاً تطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة البرامج السكنية على الاستجابة للحاجيات الاجتماعية، بعيداً عن الاكتفاء بزيادة عدد الوحدات المعروضة في السوق.
ولا تنتهي الصعوبات عند مرحلة اقتناء العقار، إذ يظل سوق الإيجار بدوره مصدراً للضغط على ميزانيات الأسر، خاصة في المناطق التي تتركز فيها فرص العمل والتعليم والخدمات الصحية.
وفي مقابل هذه التحديات الحضرية، يواجه العالم القروي إشكالات ذات طبيعة مختلفة، ترتبط بضعف جودة بعض المساكن، ونقص التجهيزات الأساسية، وتفاوت الولوج إلى الماء الصالح للشرب والصرف الصحي والطرق والخدمات العمومية.
وتكتسي مسألة المباني الآيلة للسقوط والسكن غير اللائق أهمية خاصة ضمن هذا المشهد، بالنظر إلى ما تطرحه من مخاطر على سلامة السكان واستقرارهم.
ففي بعض الأحياء القديمة والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، تتداخل هشاشة البنايات مع محدودية الموارد اللازمة للصيانة والترميم، بينما تتطلب معالجة هذه الأوضاع تنسيقاً بين الجماعات الترابية والسلطات المختصة والقطاعات الحكومية المعنية.
وتشير التوجهات المعلنة في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة إلى عدد من المقترحات الرامية إلى معالجة هذه الاختلالات، من بينها تأهيل المدن العتيقة عبر استهداف 20 ألف بناية وفق الخصائص المعمارية التقليدية، بما يساهم في تحسين ظروف السكن والحفاظ على الطابع العمراني لهذه المجالات.
ويطرح هذا التوجه تحدياً يتعلق بضرورة الجمع بين المحافظة على التراث المعماري وتعزيز شروط السلامة، مع مراعاة الأوضاع الاجتماعية للأسر التي تقطن هذه المباني.
وفي مجال الإيجار، يتضمن البرنامج مقترحات لتطوير الإطار القانوني المنظم للعلاقة بين المالكين والمكتَرِين، إلى جانب إحداث آليات لدعم الولوج إلى السكن لفائدة الشباب.
ومن بين التدابير المطروحة إنشاء صندوق عمومي لضمان كراء السكن، بما قد يساعد على تخفيف بعض العقبات التي تواجه المستأجرين، شريطة تحديد شروط الاستفادة وآليات التدبير والتمويل، وضمان توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر حاجة.
كما تشمل المقترحات إحداث مؤسسة موحدة للأعمال الاجتماعية تساهم في توفير أحياء سكنية لفائدة الموظفين، إلى جانب إطلاق مشروع لبناء عمارات مخصصة للكراء بأثمنة ملائمة للشباب.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتنويع العرض السكني من خلال تطوير صيغ لا تقوم حصراً على التملك، خصوصاً أن القدرة على شراء عقار لا تتوفر لجميع الأسر، حتى في الحالات التي تستفيد فيها من برامج الدعم.
وفي ما يتعلق بالمساعدة المباشرة على اقتناء السكن، يدعو البرنامج إلى مواصلة الدعم والحفاظ على المستوى المستهدف المتمثل في 300 ألف مستفيد، إلى جانب تأهيل 100 ألف مسكن في العالم القروي، مع اقتراح دعم يصل إلى 40 ألف درهم للأسر المعنية، مصحوباً بالمواكبة التقنية.
وتظل هذه الأرقام أهدافاً ومقترحات واردة في البرنامج الانتخابي، ولا تعني في حد ذاتها تحققها أو اعتمادها النهائي ضمن التدابير الحكومية، إذ يرتبط تنفيذها بالقرارات الرسمية والاعتمادات المالية وشروط الاستفادة التي ستحددها الجهات المختصة.
ويطرح ملف المضاربة العقارية بدوره تحدياً إضافياً، في ظل النقاش بشأن تأثير الاحتفاظ بالأراضي غير المستغلة داخل المدن على تكلفة العقار وتوسع المجال العمراني.
وفي هذا الصدد، يقترح الحزب فرض ضريبة تصاعدية على الأراضي الفارغة داخل النطاقات الحضرية، بهدف تشجيع استغلالها والحد من الممارسات التي قد تساهم في تعطيل توفير العرض العقاري. غير أن فعالية هذا الإجراء المحتمل ستظل مرتبطة بطريقة تحديد الأراضي المعنية، والاستثناءات المبررة، ومدى انسجامه مع أدوات التخطيط والتعمير والسياسات الرامية إلى توسيع العرض السكني.
ويشمل البرنامج كذلك استكمال الجهود الرامية إلى القضاء على السكن الصفيحي، وهو ورش لا يرتبط فقط بإزالة المساكن غير اللائقة، بل يتطلب توفير بدائل قابلة للتحمل من الناحية المالية، ومواكبة الأسر المستفيدة، وتجنب ظهور تجمعات سكنية غير مهيكلة في مواقع جديدة.
وتبقى أمام الحكومة الجديدة مهمة تحويل الوعود والمقترحات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، ضمن رؤية متكاملة تراعي الاختلاف بين حاجيات المدن والقرى، وتضمن التنسيق بين الدعم المالي والتخطيط العمراني وتأهيل البنايات وتنظيم سوق الإيجار.