بين غلاء اللحوم وتعثر الاستيراد.. سوق الماشية بالمغرب أمام تحديات متزايدة
تحولت أسعار اللحوم الحمراء إلى واحد من أبرز الملفات الضاغطة على الأسر المغربية، مع بداية الولاية الحكومية الجديدة.
وتكشف أسعار لحوم الأغنام عن استمرار موجة الغلاء، إذ تتراوح في محلات الجزارة بالتقسيط بين 130 و180 درهما للكيلوغرام، خاصة في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط.
ورغم الإجراءات الرامية إلى تعزيز العرض عبر السماح باستيراد الماشية، بهدف دعم تموين السوق والمساهمة في الحفاظ على القطيع الوطني، لم تنجح هذه التدابير حتى الآن في دفع الأسعار إلى مستويات أكثر انخفاضا.
وفي هذا السياق، تؤكد المعطيات المهنية الواردة بشأن السوق أن استيراد الأغنام لم يحقق، إلى حدود الآن، انخفاضا ملموسا في الأسعار، خلافا للتوقعات التي رافقت السماح باستيراد الماشية من الخارج.
ويرتبط هذا الوضع، بحسب المعطيات المتداولة في القطاع، بارتفاع أسعار الأغنام في الأسواق الأوروبية، إلى جانب تكاليف الاستيراد والرسوم والضرائب المرتبطة به، فضلا عن مصاريف النقل والتوزيع.
وتطرح هذه العوامل إشكالية مدى قدرة الواردات على التأثير في السعر النهائي، في وقت لا يزال فيه المستهلك يواجه أثمانا مرتفعة داخل محلات الجزارة.
وتطرح هذه العوامل إشكالية مدى قدرة الواردات على التأثير في السعر النهائي، في وقت لا يزال فيه المستهلك يواجه أثمانا مرتفعة داخل محلات الجزارة.
وسبق لأحزاب السياسية المشكلة في الحكومة الجديدة، أن قدمت وعودا في برنامجها الانتخابي، حيث اقترح حزب الأصالة والمعاصرة مجموعة من التدابير لإعادة تنظيم سوق اللحوم والحد من ارتفاع الأسعار، من بينها إحداث ست شركات جهوية للتوزيع، إلى جانب إصلاح سلاسل التوزيع وتحديث أسواق الجملة، بهدف تقليص عدد الوسطاء ومحاصرة المضاربات التي ترفع تكلفة المنتوج قبل وصوله إلى المستهلك.
ومن جهته، وضع حزب الاستقلال تحسين القدرة الشرائية في صلب برنامجه للفترة 2026-2031، ويقترح إحداث شركات جهوية تتولى اقتناء وتخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية والغذائية، بما يشمل تعزيز آليات التدخل في سلاسل التوزيع والحد من الاختلالات التي قد تنعكس على الأسعار النهائية.
وفي المقابل،رركز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على دعم الفلاحين الصغار والكسابة الفعليين، مع إعادة توجيه الدعم العمومي نحو المنتجين بدل الاقتصار على كبار المستوردين، إلى جانب تشديد مراقبة مسالك التوزيع وأسواق الجملة ومحاربة المضاربين والوسطاء الذين يساهمون في رفع الأسعار.
وتكشف تعدد المقترحات الحزبية عن اختلاف واضح في طرق التعامل مع أزمة اللحوم الحمراء، بين من يركز على تنظيم التوزيع ومحاربة الوسطاء، ومن يراهن على دعم الإنتاج الوطني وإعادة بناء القطيع، ومن يقترح تدخلًا مباشرًا في الأسعار أو آليات الدعم الاجتماعي.
غير أن تنزيل هذه التصورات على أرض الواقع يظل مرتبطًا بمجموعة من التحديات، في مقدمتها ضمان استمرارية الإنتاج الوطني، والتحكم في تكاليف التربية والأعلاف، وتأمين عرض كافٍ، إلى جانب إعادة تنظيم حلقات التوزيع بما يقلص الفوارق بين سعر المنتج وسعر البيع النهائي.
وتأتي موجة الغلاء، في ظل مواجهة استيراد الأبقار الحية من إسبانيا تعثرا منذ أكثر من عشرة أشهر، عقب التدابير الصحية التي اتخذتها السلطات المغربية إثر ظهور مرض الجلد العقدي المعدي في منطقتي كتالونيا وأراغون أواخر سنة 2025.
وتكشف الأرقام التي نشرها اتحاد صغار المزارعين ومربي الماشية الإسبانية (UPA) عن حجم هذه المبادلات، إذ بلغت صادرات الأبقار التي يزيد وزنها على 300 كيلوغرام إلى المغرب 61 ألفا و715 رأسا خلال سنة 2024، ما يمثل 52 في المائة من إجمالي الصادرات الإسبانية من هذه الفئة. وخلال سنة 2025، استورد المغرب 51 ألفا و986 رأسا، بما يعادل 64 في المائة من الإجمالي، قبل أن يتراجع العدد إلى الصفر خلال سنة 2026، وفق المعطيات التي أوردتها المنظمة.
وتعكس هذه الأرقام حجم اعتماد المصدرين الإسبان على السوق المغربية، كما تبرز الأهمية التجارية التي يكتسيها استئناف المبادلات بالنسبة إلى مربي الأبقار في إسبانيا.
وفي محاولة لإنهاء هذا التوقف، دعت المنظمة المهنية الإسبانية، في بيان لها، الحكومة الإسبانية إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية مع السلطات المغربية من أجل إعادة فتح السوق أمام صادرات الأبقار الحية.
وطالب ممثلو القطاع باعتماد مبدأ التقسيم الجغرافي للمناطق الصحية، بما يسمح للمناطق الإسبانية غير المتضررة من المرض باستئناف التصدير، بدلا من استمرار تعليق الصادرات على المستوى الوطني.
وأفادت المنظمة بأن مسؤولين بوزارة الزراعة والصيد البحري والأغذية الإسبانية أبلغوا ممثليها بعزمهم عقد اجتماع مع نظرائهم المغاربة في نهاية نونبر المقبل لمناقشة الملف، في انتظار ما ستسفر عنه المشاورات بشأن شروط استئناف المبادلات.
وبين محدودية الأثر الملموس لاستيراد الأغنام على الأسعار واستمرار تعليق واردات الأبقار الحية من إسبانيا، تواجه سوق اللحوم الحمراء بالمغرب تحديات متداخلة تتعلق بتأمين التموين وضبط التكاليف وحماية القدرة الشرائية.
ويظل الرهان المطروح أمام الجهات المعنية هو تقييم نتائج تدابير الاستيراد على أرض الواقع، وتتبع تطور الأسعار في مختلف حلقات التسويق، مع مراعاة المتطلبات الصحية المرتبطة باستيراد الماشية.