ملفات عالقة ووعود بالجملة.. هل تنجح حكومة المنصوري في احتواء غضب النقابات؟
تواجه الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة دقيقة في تدبير الملفات الاجتماعية والمهنية، في ظل تزايد انتظارات الشغيلة بشأن تحسين الأجور، وحماية الحريات النقابية، وتسوية الملفات القطاعية العالقة، إلى جانب الحد من تداعيات غلاء المعيشة وتوسيع فرص الشغل.
وبين المطالب التي ترفعها المركزيات النقابية والالتزامات التي تعلنها الحكومة، يبرز الحوار الاجتماعي باعتباره إحدى أبرز المحطات التي ستحدد ملامح العلاقة بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرة السلطة التنفيذية على تحويل الوعود إلى إجراءات ملموسة تستجيب لانتظارات الأجراء والموظفين.
وخلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس المستشارين، الأربعاء، عرض ممثلو عدد من المركزيات النقابية مجموعة من المطالب التي يعتبرونها مدخلا ضروريا لتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية، مؤكدين أن نجاح الحكومة لا يرتبط فقط بالإعلان عن برامج جديدة، وإنما بمدى قدرتها على معالجة الملفات المتراكمة، وضمان استمرارية الحوار، وتوفير شروط التفاوض المتكافئ بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين.
وفي هذا السياق، دعا خالد السطي، المستشار البرلماني عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، إلى مراجعة القانون التنظيمي للإضراب، والرفع من أجور العاملين في القطاعين العام والخاص، وإلغاء تسقيف سن التوظيف، إلى جانب وضع حد لما وصفه بإقصاء بعض المركزيات النقابية من الحوار الاجتماعي ومن المشاركة في المؤسسات الدستورية والوطنية.
وشدد على ضرورة إرساء حوار اجتماعي مركزي وقطاعي مؤسساتي، يتجاوز اللقاءات الظرفية نحو آليات منتظمة تتيح مناقشة المطالب وتتبع الالتزامات والوقوف على نتائجها.
وطالب السطي أيضا بإخراج قانون خاص بالنقابات، على غرار القانون المنظم للأحزاب السياسية، مع مراجعة المنظومة الانتخابية للاستحقاقات المهنية بما يضمن، بحسب طرحه، تمثيلية نقابية تعكس الوزن الحقيقي للهيئات داخل أماكن العمل.
كما دعا إلى المصادقة على الاتفاقية الدولية رقم 87 المتعلقة بالحرية النقابية، وإلغاء الفصل 288 من القانون الجنائي، وتعزيز حماية الأجراء من التضييق أو التمييز بسبب انتمائهم النقابي أو ممارستهم لأنشطة نقابية، مع إعادة النظر في المقتضيات المنظمة للإضراب بما يضمن ممارسة هذا الحق الدستوري.
وامتدت المطالب التي عرضها المستشار البرلماني إلى قطاعات التعليم والصحة، حيث دعا إلى إنصاف العاملين فيهما ماديا ومعنويا، والاستجابة لمطالب شغيلة التعليم الأولي، وإعادة النظر في سقف السن المعتمد في مباريات التوظيف، سواء في قطاع التربية الوطنية أو في باقي قطاعات الوظيفة العمومية.
وفي ملف التغطية الصحية، نبه السطي إلى ما اعتبره فجوة بين التعريفة المرجعية المعتمدة لاسترجاع مصاريف العلاج والمبالغ التي يؤديها المؤمنون فعليا.
من جهته، ربط نور الدين سليك، رئيس فريق الاتحاد المغربي للشغل، نجاح الحكومة الجديدة بمدى استجابتها لانتظارات الطبقة العاملة والفئات المتضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وطالب بإقرار زيادة عامة في الأجور وتحسين الدخل، وتسريع تفعيل الالتزام المتعلق بالتخفيض الضريبي على الأجور، إلى جانب اعتماد إجراءات أكثر فعالية لمحاربة المضاربات التي تؤثر في القدرة الشرائية للأسر.
وأكد سليك أن تحسين الأوضاع الاجتماعية يقتضي، في نظر نقابته، ضمان الحريات النقابية وتطوير المفاوضات الجماعية، ووضع حد للتضييق على العمل النقابي وحالات الطرد والتمييز المرتبطة بالانتماء أو النشاط النقابي.
كما دعا إلى تعليق العمل بالقانون التنظيمي للإضراب وفتح مفاوضات جدية بشأن نص يحظى بالتوافق، مع توفير شروط العمل اللائق والحد من الهشاشة والاستغلال، خصوصا في القطاعات التي تعتمد على المناولة، وفي مقدمتها الحراسة والنظافة.
وأمام هذه المطالب، أكدت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أن الحوار الاجتماعي سيظل مفتوحا مع النقابات، معتبرة أن تخصيص 50 مليار درهم للحوار الاجتماعي خلال سنة 2027 يعكس التزام الحكومة بمواصلة هذا المسار.
وربطت المنصوري أهمية الحوار بضرورة استمرار التواصل مع الشركاء الاجتماعيين، مشيرة إلى أن تجربتها المهنية، بحسب ما أوضحته خلال الجلسة، جعلتها تعتبر الإنصات والتفاوض من الأسس الضرورية لتدبير الخلافات.
واستحضرت رئيسة الحكومة التفاعل مع احتجاجات أساتذة التعليم الأولي، موضحة أن الوزير المعني بادر إلى الجلوس مع المحتجين والاستماع إلى مطالبهم دون انتظار التنصيب الرسمي للحكومة.
وقدمت هذه الخطوة باعتبارها مؤشرا على توجه يرمي إلى فتح قنوات التواصل مع الفئات المحتجة، مع التأكيد في المقابل على أن استمرار الحوار لا يعني بالضرورة الاستجابة لجميع المطالب، بالنظر إلى تعدد الملفات والإكراهات التي تحكم معالجتها.
وشددت المنصوري على أن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة مشتركة وانفتاحا متبادلا بين الحكومة والنقابات، بما يسمح بمناقشة الخلافات في إطار مؤسساتي وتحديد الحلول الممكنة وفق الأولويات والإمكانات المتاحة.
وفي قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، برزت بدورها مؤشرات على فتح قنوات التواصل مع ممثلي الشغيلة التعليمية، في ظل استمرار المطالب المرتبطة بتسوية الوضعيات المهنية وتحسين ظروف العمل.
وشملت هذه التحركات التنسيق النقابي الذي يضم الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل والجامعة الوطنية للتعليم، التوجه الديمقراطي، وهي هيئات تواصل المطالبة بمعالجة الملفات التي تعتبرها عالقة داخل القطاع.
وأكد محمد نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، أن الحكومة ستعمل على دراسة مطالب الشغيلة التعليمية والنظر في الصعوبات التي تواجهها، موضحا أن الملفات المطروحة ستعالج وفق طبيعة كل ملف، مع السعي إلى تفادي التأخير والمماطلة.
ومن بين الملفات التي تحظى باهتمام خاص مسألة تسقيف سن الولوج إلى مباريات التوظيف، المحدد حاليا في 35 سنة وفق المعطيات الواردة بشأن هذا الملف.
فقد سبق للوزير أن أبدى استعداده لمراجعة هذا السقف، معربا عن توجهه إلى معالجة الموضوع خلال الولاية الحكومية الحالية، وهو ما أثار تفاعلا في أوساط الشغيلة التعليمية والمهتمين بولوج مهن التدريس. .
وتكشف تعدد المطالب النقابية عن اتساع دائرة الملفات التي تنتظر المعالجة، من الأجور والقدرة الشرائية إلى الحريات النقابية والتشغيل والحماية الاجتماعية وإصلاح التعليم والصحة.