المطالب الاجتماعية تضغط على الحكومة.. قطاعات وزارية تفتح أبواب الحوار
تتجه عدة قطاعات وزارية إلى إعادة فتح ملفات اجتماعية ومهنية ظلت عالقة، في خطوة تعكس تنامي الحاجة إلى معالجة مطالب الشغيلة وتحسين ظروف العمل داخل قطاعات حيوية، وسط ترقب لمآل الحوار بين المسؤولين الحكوميين والمركزيات النقابية، ومدى قدرة الحكومة على تحويل مؤشرات الانفتاح إلى قرارات عملية تستجيب للانتظارات المطروحة.
وتأتي هذه التحركات في سياق تكثيف النقابات مراسلاتها واتصالاتها بشأن ملفات تصفها بالأولوية، مع التشديد على ضرورة تجاوز الوعود العامة نحو حلول واضحة ومحددة، تضمن الحقوق الاجتماعية والمهنية وتحد من أسباب الاحتقان.
وفي المقابل، بدأت تظهر مؤشرات على استعداد عدد من المسؤولين الحكوميين لاستئناف التواصل مع الشركاء الاجتماعيين، بهدف مناقشة القضايا العالقة والبحث عن مداخل لتسويتها عبر الحوار المؤسساتي.
وفي هذا الإطار، عقد صلاح الدين عبقري، الوزير المنتدب لدى وزير الشباب والثقافة والرياضة المكلف بالشباب، لقاء مع ممثلين عن 3 مركزيات نقابية، هي الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والاتحاد المغربي للشغل. وشكل الاجتماع مناسبة لتبادل وجهات النظر بشأن قضايا تهم الشباب والشغيلة، إلى جانب التأكيد على أهمية انتظام التواصل وتعزيز الحوار المباشر بين المسؤولين وممثلي النقابات.
ويأتي هذا اللقاء في وقت تضع فيه المركزيات النقابية عددا من الملفات الاجتماعية والمهنية ضمن أولوياتها، مطالبة بتوفير شروط ملائمة لمعالجتها، بما يضمن وضوح الالتزامات وإمكانية تتبع تنفيذها. و
يظل الرهان الأساسي مرتبطا بمدى قدرة هذه اللقاءات على الانتقال من تبادل المواقف إلى تحديد إجراءات ملموسة وآجال واضحة للتنفيذ.
وبموازاة ذلك، يتواصل العمل على تعزيز التنسيق الإداري داخل وزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، من خلال اجتماعات تستهدف تحسين التعاون بين المديريات وتوحيد الجهود في تدبير الملفات المرتبطة باختصاصات القطاع.
وفي هذا السياق، عقدت نجوى ككوس، وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، إلى جانب رشيد حموني، الوزير المنتدب المكلف بالإدماج الاجتماعي، اجتماعا مع مسؤولي مديريات الموارد البشرية والميزانية والشؤون العامة والنظام المعلوماتي والتنمية الاجتماعية.
وخصص الاجتماع لمناقشة سبل تعزيز التنسيق بين المصالح الإدارية وتطوير آليات العمل المشترك، بما يدعم انسجام التدخلات ويساعد على تحسين تدبير الملفات الاجتماعية. ويعكس هذا التوجه أهمية التنسيق الداخلي في رفع نجاعة الأداء المؤسساتي، خصوصا في قطاع تتداخل فيه مجالات التدخل وتتطلب برامجه تعاونا مستمرا بين مختلف المصالح المعنية.
ومن بين الملفات الاجتماعية المطروحة أمام الوزارة، يبرز موضوع ضمان استمرارية الدراسة للأطفال في وضعية إعاقة، في ظل مخاوف من انقطاع عدد منهم عن مسارهم التعليمي بسبب توقف بعض الجمعيات التي تقدم خدمات المواكبة والدعم.
وتزيد هذه الوضعية من الضغوط التي تواجهها الأسر، خصوصا في المدن، حيث ترتبط استفادة الأطفال من الخدمات التعليمية والاجتماعية باستمرار عمل الجهات التي تتولى مواكبتهم.
وتطرح هذه التطورات تحديا يرتبط بضرورة البحث عن تدابير استباقية تحول دون اتساع دائرة الانقطاع عن الدراسة، وضمان استمرارية الخدمات المقدمة للأطفال المعنيين.
كما تبرز الحاجة إلى تنسيق تدخلات القطاعات والمؤسسات المعنية، بما يتيح التعامل مع الصعوبات التي تواجه الأسر والجمعيات، ويحد من انعكاساتها المحتملة على الحق في التعليم والإدماج الاجتماعي.
وفي سياق متصل، دعت النقابة الوطنية لأطر وموظفي التعاون الوطني، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة إلى مراجعة طريقة تدبير قطاع العمل الاجتماعي، مطالبة بتجميع الاختصاصات الموزعة بين القطاعات الحكومية، وتعزيز صلاحيات الوزارة الوصية، ورفع الميزانيات والموارد البشرية المخصصة لهذا المجال.
وترى النقابة أن استمرار الاختلالات التنظيمية وتشتت المسؤوليات يحدان من فعالية البرامج الاجتماعية ويضعفان قدرة المؤسسات المعنية على الاستجابة للحاجيات المطروحة.
وأكد المكتب الوطني للنقابة، في بيان أعقب اجتماعه العادي، ضرورة مراجعة المرسوم رقم 2.13.22 الصادر في 29 أبريل 2013، والمنظم لمهام ومسؤوليات الوزارة، بما يسمح بتوسيع صلاحياتها في إحداث المنشآت والمراكز الاجتماعية، وتعزيز تدخلها لمواجهة الظواهر الاجتماعية وتقديم المساعدة خلال الكوارث الطبيعية.
وشددت النقابة على أن توزيع الاختصاصات بين القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية، إلى جانب تداخل المسؤوليات ومحدودية الموارد المالية والبشرية، يطرح صعوبات أمام تدبير العمل الاجتماعي.
ودعت، في هذا الصدد، إلى وضع تصور تنظيمي أكثر وضوحا، يجمع المهام ذات الطبيعة الاجتماعية تحت إشراف الوزارة، ويحدد مسؤوليات مختلف المتدخلين، بما يضمن تكامل البرامج وفعالية تنفيذها.
كما طالبت بالرفع من الميزانية المخصصة للوزارة والمؤسسات التابعة لها، وفي مقدمتها التعاون الوطني ووكالة التنمية الاجتماعية، معتبرة أن تطوير الخدمات الاجتماعية يقتضي توفير الموارد اللازمة لتأهيل مقرات المصالح الخارجية والمراكز الاجتماعية، وتحسين ظروف اشتغال العاملين، فضلا عن تعزيز الإمكانات البشرية واللوجستية الضرورية لتنفيذ البرامج الموجهة للفئات المستفيدة.
وفي قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين والتأهيل، برز بدوره توجه نحو فتح قنوات التواصل مع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، إذ عبّر الوزير محمد نبيل بنعبد الله عن استعداده لمناقشة الملفات المطروحة في إطار الحوار الاجتماعي.
ومن المرتقب عقد لقاءات خلال الأسبوع الجاري تجمع مسؤولي الوزارة بممثلي النقابات، بهدف التداول بشأن المطالب المهنية والاجتماعية العالقة، ومناقشة منهجية الحوار وسبل معالجة القضايا التي تنتظر التسوية.
وتكتسي هذه اللقاءات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بملفات مهنية واجتماعية تطالب الفئات العاملة في القطاع بتسريع معالجتها وتحسين ظروف الاشتغال.
وتضع هذه التحركات مختلف القطاعات المعنية أمام تحدي تحقيق التوازن بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية ومتطلبات التدبير الإداري والمالي، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى جعل الحوار آلية فعلية لتسوية الخلافات والحد من الاحتقان.