المضاربة العقارية تحاصر الاستثمار الصناعي بالمغرب.. والحكومة تتحرك لاسترجاع الأراضي
تواصل المضاربة العقارية فرض نفسها باعتبارها أحد أبرز العوائق أمام توسيع الاستثمار الصناعي بالمغرب، في ظل ارتفاع أسعار الأراضي داخل عدد من المناطق الصناعية، واحتفاظ بعض المستفيدين ببقع عقارية دون تحويلها إلى مشاريع إنتاجية.
ويطرح هذا الوضع إشكالية استغلال العقار المخصص للأنشطة الصناعية، خصوصا عندما يتحول من رافعة لجذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل إلى مجال للمضاربة وتحقيق الأرباح، على حساب المقاولات التي تبحث عن أوعية عقارية لإطلاق مشاريعها وتوسيع أنشطتها.
وتزداد حدة هذه المعضلة في المناطق التي تستقطب طلبا مرتفعا على العقار الصناعي، ولا سيما محيط الدار البيضاء وطنجة والرباط، حيث تشكل كلفة الأرض عاملا مؤثرا في قرارات الاستثمار، مقابل استمرار تفاوت جاذبية المجالات الترابية الأخرى رغم توفر بعضها على مناطق صناعية مهيأة.
وبين ضرورة توفير العقار بأسعار تنافسية وضمان توزيع أكثر توازنا للاستثمارات، يتجدد النقاش حول نجاعة السياسة العقارية الصناعية، ومدى قدرتها على الحد من الاحتكار والمضاربة وربط الاستفادة من الأراضي بإنجاز مشاريع ملموسة.
وفي هذا السياق، انتقل النقاش إلى مجلس المستشارين، الثلاثاء 3 نونبر 2026، حيث دعا إدريس القندوسي، عن فريق التجمع الوطني للأحرار، إلى تشديد الإجراءات الرامية إلى محاربة المضاربة في العقار الصناعي، وتفعيل آليات استرجاع الأراضي التي لم تخضع للاستغلال، معتبرا أن استمرار الاحتفاظ بالبقع دون توظيفها في أنشطة إنتاجية يساهم في رفع الأسعار ويعرقل إطلاق استثمارات جديدة، خصوصا في المناطق التي تعرف ضغطا متزايدا على العقار.
وأوضح القندوسي، خلال تعقيبه على جواب وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، رياض مزور، في جلسة الأسئلة الشفوية، أن معالجة هذه الإشكالية تقتضي اعتماد مقاربة تراعي الاختلاف في مستوى الجاذبية الاستثمارية بين جهات المملكة.
واقترح في هذا الإطار إقرار سياسة تسعيرية مرنة، تقوم على خفض أسعار العقار الصناعي في المناطق الأقل استقطابا للمستثمرين، مع إمكانية اعتماد أسعار رمزية في بعض الحالات، مقابل التزامات واضحة تضمن تحويل الاستفادة من الأراضي إلى مشاريع إنتاجية فعلية.
من جانبه، شدد محمد رضى الحنيني، عن فريق الاتحاد العام لمقاولات المغرب، على أهمية تمكين المقاولات من الولوج إلى العقار الصناعي بأسعار معقولة، محذرا من انعكاسات المضاربة على قدرة عدد من الوحدات الاقتصادية، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، على الاستقرار والتوسع.
ودعا إلى توزيع أكثر توازنا للمناطق الصناعية بين جهات المملكة، بما يحد من تمركز الاستثمارات في محاور الدار البيضاء وطنجة والرباط، ويتيح فرصا أوسع أمام الأقاليم التي لا تزال تواجه صعوبات في استقطاب المشاريع.
ولفت الحنيني إلى أن تطوير المناطق الصناعية لا ينبغي أن يقتصر على توفير الأراضي، بل يتعين أن يشمل أيضا تهيئة بيئة متكاملة تستجيب لحاجيات المقاولات والعاملين بها، من خلال توفير وسائل النقل والمطاعم والمراكز الصحية وفضاءات الراحة، إلى جانب تحديث الإطار التنظيمي للأنشطة الصناعية وتبسيط مساطر الترخيص.
واعتبر أن مواكبة التحولات التكنولوجية والصناعية تفرض تعزيز جاذبية هذه المناطق، بما يجعلها فضاءات قادرة على احتضان الاستثمارات وتحقيق قيمة مضافة اقتصادية واجتماعية.
وفي معرض جوابه، أكد رياض مزور أن الإطار القانوني المعتمد لمحاربة المضاربة في العقار الصناعي أحدث تغييرات في شروط تفويت الأراضي وآليات استرجاعها، بهدف ضمان توجيهها نحو الاستثمار المنتج بدل تحويلها إلى وسيلة لتحقيق الأرباح العقارية.
وأوضح أن المقتضيات الجديدة تمنع تفويت ملكية الأرض الصناعية إلى المستفيد قبل إنجاز المشروع الصناعي، خلافا لممارسات سابقة كانت تسمح بتفويت البقع قبل دخول المشاريع حيز التنفيذ، وهو ما يرمي إلى تعزيز الالتزام بالغاية التي خصص العقار من أجلها.
وكشف الوزير أن مسطرة استرجاع الأراضي الصناعية غير المستغلة أصبحت أكثر سرعة، موضحا أن الإجراءات باتت تتيح اللجوء إلى المحافظة العقارية لاسترجاع هذه الأراضي، بعدما كانت العملية تتطلب المرور عبر المساطر القضائية.
ويراهن هذا التوجه على تحرير الأوعية العقارية التي ظلت خارج دائرة الإنتاج، وإعادة إتاحتها أمام المستثمرين الراغبين في إنجاز مشاريع صناعية، بما يحد من تجميد العقار ويعزز الاستفادة الاقتصادية منه.
وبخصوص العدالة المجالية، أكد مزور أن الحكومة تسعى إلى تفادي ضياع المشاريع الاستثمارية بسبب غياب العقار، مع تشجيع توطين الاستثمارات في المناطق الأقل جاذبية من خلال اعتماد مستويات متفاوتة من الدعم، وتوفير المواكبة اللازمة وتسريع الإجراءات الإدارية.
وشدد على أن المقاربة المعتمدة تقوم على تحفيز المستثمرين دون فرض اختيارات جغرافية قد تؤدي إلى التخلي عن مشاريعهم، مع منح الأقاليم الأقل استفادة فرصا إضافية لاستقطاب الأنشطة الصناعية.
ويضع هذا النقاش فعالية التدابير القانونية والتحفيزية أمام اختبار قدرتها على تحويل العقار الصناعي من موضوع للمضاربة إلى رافعة للإنتاج والتشغيل، وضمان توزيع أوسع لثمار الاستثمار بين مختلف جهات المملكة.