مليارات التنمية تواجه اختلالات العالم القروي.. ورهان إنهاء التهميش يتصاعد

الكاتب : انس شريد

08 November 2026 - 09:30
الخط :

تواجه الحكومة الجديدة، التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، تحديات متزايدة في ملف تنمية العالم القروي والمناطق الجبلية، في ظل استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية بين المدن والقرى، وتفاقم مظاهر الخصاص في عدد من الخدمات والمرافق الأساسية.

ويضع هذا الواقع الحكومة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على الانتقال من إعلان البرامج التنموية ورصد الاعتمادات المالية إلى تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على ظروف عيش الساكنة، خصوصاً في المناطق التي ما تزال تعاني ضعف التجهيزات وصعوبة الولوج إلى الخدمات العمومية.

وتتوزع أبرز الاختلالات التي تواجه المجال القروي بين تعقيدات التعمير والبناء، وضعف البنيات التحتية وشبكات النقل، إلى جانب محدودية الخدمات التعليمية والصحية في عدد من المناطق النائية.

كما تظل مسألة فك العزلة الطرقية وتحسين النقل المدرسي والمزدوج من المطالب المطروحة بإلحاح، بالنظر إلى تأثيرها المباشر على تنقل المواطنين، واستمرار التلاميذ في الدراسة، وقدرة السكان على الوصول إلى المرافق الإدارية والصحية.

وتبرز هذه الإكراهات بشكل أكبر في المناطق الجبلية التي تفرض طبيعتها الجغرافية تحديات إضافية أمام إنجاز المشاريع وضمان استمرارية الخدمات.

وفي هذا السياق، أعاد إدريس الأزمي الإدريسي، النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، طرح إشكالية نجاعة تنفيذ البرامج التنموية، داعياً الحكومة إلى ضمان التنزيل الفعلي للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي رُصد لها غلاف مالي إجمالي يصل إلى 210 مليارات درهم، من بينها 25 مليار درهم مبرمجة خلال سنة 2027.

واعتبر الأزمي، خلال الملتقى الوطني العشرين لشبيبة الحزب، المنعقد الأحد 8 نونبر 2026، أن التحدي الأساسي لا يرتبط بغياب الإمكانات المالية أو التصورات، بقدر ما يتصل بضعف التنفيذ على المستوى الترابي، وعدم تحويل الاعتمادات المرصودة إلى مشاريع منجزة تستجيب للحاجيات الفعلية للسكان.

وأكد المتحدث أن استمرار مظاهر الخصاص في العالم القروي والمناطق الجبلية، رغم البرامج والصناديق التي جرى إحداثها خلال السنوات الماضية، يفرض مراجعة أساليب تنزيل السياسات العمومية وتسريع وتيرة الاستثمار خارج المراكز الحضرية الكبرى.

كما اعتبر أن المرحلة الحالية تمثل فرصة مهمة لمعالجة الاختلالات المتراكمة، داعياً إلى الاستفادة من التجارب التي عرفتها مدن مثل الرباط وطنجة في مجال التأهيل والاستثمار العمومي، وتكييف آلياتها مع خصوصيات المناطق القروية.

وتكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة في ظل تأكيد وزارة الداخلية أن إعداد البرامج الترابية المندمجة استند إلى عمليات استماع وتشاور واسعة، شارك فيها أكثر من 86 ألف شخص من المواطنين والمنتخبين وممثلي المجتمع المدني.

وهي العملية التي أفضت إلى اقتراح مشاريع تشمل إحداث فرص الشغل، وتعميم الماء الصالح للشرب، وتأهيل المؤسسات التعليمية، وتوسيع النقل المدرسي، وتجهيز المراكز الصحية، وتحسين الطرق والمسالك القروية.

وعلى مستوى التدابير المرتقبة لمعالجة بعض الاختلالات البنيوية، تتجه الحكومة إلى إعداد قانون خاص بالتعمير في العالم القروي، وفق ما كشف عنه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت خلال مناقشة مشروع الميزانية الفرعية لوزارته بمجلس النواب.

ويروم هذا التوجه مراجعة القواعد المنظمة لمنح رخص البناء، مع مراعاة الاختلافات بين المناطق القروية البعيدة عن المراكز الحضرية والمجالات المحيطة بالمدن، من خلال اعتماد مرونة أكبر في المناطق النائية، مقابل تشديد المراقبة في المجالات التي تعرف ضغطاً عمرانياً متزايداً.

ويُنتظر أن يشكل هذا الإطار القانوني، في حال إخراجه، مدخلاً لتجاوز عدد من التعقيدات الإدارية التي تواجه الأسر الراغبة في بناء مساكنها أو ترميمها، مع الحفاظ على ضوابط التعمير والتخطيط الترابي.

وفي ملف السكن، تبرز ضمن التوجهات الحكومية المرتقبة برمجة برنامج جديد ابتداءً من سنة 2027، يستهدف نحو 100 ألف مسكن بالعالم القروي، من خلال تقديم دعم مالي مباشر يصل إلى 40 ألف درهم للمسكن الواحد، سواء تعلق الأمر بالبناء أو الترميم، إلى جانب توفير المواكبة التقنية والدراسات اللازمة للمستفيدين.

ويتزامن هذا التوجه مع مواصلة الإصلاحات المرتبطة بتقوية البنيات التحتية وتعزيز التنمية الفلاحية، في إطار استراتيجية الجيل الأخضر، التي تراهن على تحسين أوضاع الفلاحين وتوسيع استفادتهم من الحماية الاجتماعية.

كما تشمل التوجهات الحكومية إعادة تنظيم آليات تمويل التنمية الجهوية، من خلال رفع سقف التحويلات المالية السنوية من الدولة إلى ميزانيات الجهات من 10 إلى 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، بما يعزز إمكاناتها في تمويل المشاريع الترابية.

وتبقى فعالية هذه التدابير مرتبطة بمدى قدرة الحكومة على ضمان التنسيق بين القطاعات الوزارية والجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الترابية، وتحويل التشخيصات والمخططات إلى أوراش ملموسة وفق آجال واضحة ومؤشرات دقيقة للإنجاز.

آخر الأخبار