المعارضة تنتقد أداء الحكومة وتدعو إلى تنزيل مضامين الخطاب الملكي بجرأة ومسؤولية
في أعقاب الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس، اليوم الجمعة 10 أكتوبر الجاري، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية البرلمانية الحالية، تباينت قراءات الفاعلين السياسيين والبرلمانيين لمضامين الخطاب، الذي وُصف بكونه شاملاً وواقعياً، عكس بوضوح تشخيصاً دقيقاً لانتظارات المواطن المغربي، ورؤية متجددة لتسريع وتيرة التنمية وإعادة الاعتبار للمجال السياسي كأداة للإصلاح وخدمة الصالح العام.
الخطاب، الذي اتسم بلهجة واضحة ومباشرة، حمل رسائل قوية إلى مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم الأحزاب السياسية والحكومة والبرلمان، داعياً إلى استنهاض روح المسؤولية والتجاوب الفعلي مع هموم المواطنين، وخاصة فئة الشباب التي تمثل طاقة حيوية لبناء مغرب المستقبل.
فقد دعا الملك الأحزاب إلى الاضطلاع بدورها الحقيقي في تأطير هذه الفئة، وتوفير فضاءات المشاركة والمبادرة، بدل الاكتفاء بالخطاب المناسباتي الذي لا ينعكس على أرض الواقع.
في هذا السياق، اعتبر عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، أن الخطاب الملكي رسم معالم مرحلة جديدة في الحياة السياسية الوطنية، قائمة على أربع رسائل مركزية، أولها الاهتمام بالشباب وإدماجهم في الممارسة السياسية والمدنية، وثانيها التأكيد على مبدأ العدالة المجالية الذي سبق أن ورد في خطاب العرش، باعتبار المغرب لا يمكن أن يسير بسرعتين مختلفتين.
كما شدّد شهيد في تصريحات صحفية على أهمية العناية بالمناطق الجبلية والواحات، التي تمثل ثلث سكان المملكة، داعياً الحكومة إلى بذل مجهود استثنائي لمعالجة الأوضاع الاجتماعية بهذه المناطق.
أما الرسالة الرابعة، فكانت موجهة إلى البرلمان ذاته، إذ دعا الملك ممثلي الأمة إلى استكمال الأوراش التشريعية الكبرى وتحمل مسؤولياتهم الرقابية خلال ما تبقى من الولاية الحالية.
من جانبها، اعتبرت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن الخطاب الملكي جاء بمضامين صريحة تعكس حجم الفجوة بين السياسات المعلنة والنتائج المحققة على أرض الواقع.
وأوضحت التامني في تصريحات لها بعد انتهاء الخطاب الملكي أن استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية، وتدهور أوضاع قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والتشغيل، دليل على أن السياسة التنموية لم تُترجم إلى إنجازات ملموسة.
وأكدت أن العالم القروي ما يزال يعيش على هامش التنمية رغم تعدد البرامج والمبادرات، مشيرة إلى أن غياب المحاسبة الصارمة أدى إلى تراكم الاختلالات البنيوية.
ورأت التامني أن ما يعيشه المغرب اليوم من احتجاجات متزايدة، خصوصاً في صفوف الشباب، هو تعبير مشروع عن الإحباط من غياب العدالة الاجتماعية، مؤكدة أن "شعارات الشارع أصبحت تُلخص الموقف العام: لا تعليم جيد، لا صحة للجميع، ولا شغل يضمن الكرامة"، معتبرة أن ذلك يستوجب إصلاحاً سياسياً عميقاً ومساءلة حقيقية للمسؤولين عن تدبير الشأن العام.
أما النائبة نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، فقد شددت على أن "الرسالة وصلت بوضوح"، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تقتضي إصلاحاً شاملاً يقوم على احترام كرامة المواطن، وضمان التعليم العمومي الجيد، والصحة كحق أساسي، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وأضافت أن المغرب في حاجة إلى حكومة تستثمر في الإنسان وتضعه في قلب المشروع التنموي، بدل السياسات التي تعمق الفوارق وتزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي.
الخطاب الملكي وفق ما أكده العديد من المصطفين في المعارضة، أعاد التأكيد على أن التنمية ليست مجرد شعارات أو برامج ظرفية، بل هي رؤية استراتيجية متكاملة تتطلب تعبئة جماعية، وإرادة سياسية صادقة، ومساءلة فعلية لكل المتدخلين.
كما دعا إلى تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، وتكريس مبدأ الشفافية في تدبير المال العام والمشاريع الكبرى، سواء المرتبطة بتنظيم كأس العالم أو تلك الموجهة لتحسين الخدمات الاجتماعية.
وفي خضم هذه التحولات، يشهد المغرب حراكاً اجتماعياً متجدداً تقوده فئة شبابية واعية، تعبّر عن مطالبها بأساليب سلمية وحضارية، مطالبة بإصلاحات اقتصادية واجتماعية حقيقية تضمن الكرامة وتكافؤ الفرص.
ويُجمع المراقبون على أن هذا الحراك يمثل وجهاً جديداً من الوعي السياسي لدى جيل نشأ في عالم رقمي مفتوح، يؤمن بالحوار والمشاركة أكثر مما يؤمن بالمواجهة والقطيعة.
ويبدو أن الخطاب الملكي، في عمقه، لم يكن مجرد توجيه سياسي موجه للمؤسسات، بل كان نداءً وطنياً إلى جميع القوى الحية في البلاد، من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، من أجل إعادة بناء الثقة واستحضار المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار، في مسار يتكامل فيه الإصلاح السياسي مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويضع المواطن المغربي في قلب كل السياسات العمومية باعتباره الغاية والوسيلة في آن واحد.