باب الأحد بالرباط...من بوابة حصينة إلى قلب نابض

الكاتب : الجريدة24

20 فبراير 2026 - 05:00
الخط :

أمينة المستاري

في المدخل الجنوبي الغربي للمدينة العتيقة الرباط، ينتصب باب الأحد كأنه حارس الزمن، يراقب حركة العابرين منذ أكثر من قرن، ويحتفظ بين حجارته الصلبة بأصداء تاريخ طويل.

هو ليس مجرد معبر ضمن سور قديم، بل معلمة تختلط فيها الضرورة الدفاعية بروح الجمال، وتتعانق فيه الوظيفة العسكرية مع النبض الاجتماعي.

تحت قوسه الكبير مرت قوافل التجار، وخطوات الجنود، وحكايات الناس البسطاء، وتعاقبت الأزمنة وتبدلت الملامح، لكن الباب ظل ثابتا ورمزا من رموزها العمرانية.

شيد باب الأحد في أواخر القرن التاسع عشر بأمر من السلطان مولاي الحسن الأول، ضمن برنامج لتقوية أسوار الرباط وتعزيز تحصيناتها.

كانت المرحلة حساسة سياسيا وأمنيا؛ ضغوط خارجية تتزايد، وتحولات إقليمية تفرض واقعا جديدا، ما استدعى إعادة تأهيل المداخل وتنظيم حركة الدخول والخروج.

لم يكن البناء ترفا معماريا، بل ضرورة استراتيجية تعكس حرص الدولة على حماية المدينة وترسيخ هيبتها، فجاء الباب ليؤدي وظيفة مزدوجة: حماية المجال الحضري وضبطه، وإبراز الحضور السياسي للسلطة المركزية.

ينتمي باب الأحد إلى الطراز المغربي الأندلسي، ويعد جزءا من السور الموحدي الذي يحيط بالمدينة، وقد أُعيد تأهيله وتدعيمه في العصر العلوي، كما يتميز بعدة خصائص تقنية تعكس طابعه الدفاعي الدقيق:

قوس رئيسي يبلغ ارتفاعه عدة أمتار، يسمح بمرور العربات والقوافل، جدران سميكة مبنية من الحجر المنحوت توفر صلابة ومناعة واضحة، وممر داخلي مقوس يتضمن انكسارا هندسيا يهدف إلى إبطاء أي اقتحام مباشر، إضافة إلى أبراج جانبية مدمجة في السور كانت تستخدم للمراقبة والحراسة، وفتحات علوية للرصد والتهوية وإطلاق النار عند الحاجة، ثم باب خشبي ثقيل مصفح بمسامير حديدية لتعزيز المتانة ومقاومة الكسر.

ولا تخلو واجهته من لمسات جمالية رصينة، فالزخارف الهندسية البسيطة تنسجم مع الكتلة الحجرية في توازن يعكس روح العمارة المغربية، حيث لا ينفصل البعد الوظيفي عن الحس الفني.

ومع تراجع الدور الدفاعي للأسوار، تبدلت وظيفة الباب دون أن يفقد مكانته، وتحول محيطه إلى نقطة عبور حضرية مركزية، ونشأ بالقرب منه سوق أسبوعي كان يقام يوم الأحد، فارتبط الاسم بالمكان وأصبح علامة اجتماعية واقتصادية بارزة.

أصبح باب الأحد فضاء للقاء والتبادل؛ تتجاور حوله الحرف التقليدية مع مظاهر الحياة الحديثة، ويختلط فيه صوت الباعة بنداءات المارة وعدسات السياح...هكذا انتقل من موقع عسكري إلى مساحة اجتماعية حية، تحفظ الذاكرة الجماعية وتعيد إنتاجها كل يوم.

اليوم، يقف باب الأحد عند مفترق بين الرباط القديمة والرباط الحديثة، فلم يعد يؤدي وظيفة دفاعية، لكنه يؤدي دورا رمزيا وثقافيا بالغ الأهمية؛ فهو شاهد على مرحلة سياسية دقيقة، وتحفة معمارية تجسد براعة البناء المغربي، وعلامة حضرية تختصر مسار مدينة انتقلت من التحصين إلى الانفتاح.

تتغير الوجوه واللغات...لكن الحجر يبقى ثابتا، كأنه يهمس بأن المدن العريقة لا تعرف فقط بما تبنيه، بل بما تحفظه من رموز، إنه قصة مدينة كتبت جزءا من تاريخها بالحجر.

آخر الأخبار