باب الشمس...حارس الذاكرة وضابط إيقاع الحياة داخل الأسوار

الكاتب : الجريدة24

09 مايو 2026 - 02:00
الخط :

أمينة المستاري

اشتهرت مدينة فاس عبر قرونها الطويلة بأبوابها الشامخة التي لم تكن مجرد منافذ للعبور، بل علامات سيادية تحرس الذاكرة وتضبط إيقاع الحياة داخل الأسوار.

لكل باب من هذه الأبواب حكاية، ولكل قوس ظل قصة عن حصار أو تجارة أو موكب سلطاني مر من هناك وترك أثره في الحجارة.

في الطرف الغربي من ساحة بوجلود، وعلى مقربة من جنان السبيل وثانوية مولاي إدريس، تنتصب باب الشمس في هدوء يشبه الوقار، على يسار باب بوجلود، الذي كان يعرف قديما بباب الفرنسيين.

من خلال ممر مسور شيد خصيصا لهذا الغرض، شكلت حلقة وصل استراتيجية بين المشور القديم وفضاء فاس الجديد، في مرحلة كانت فيها المدينة تعيد ترتيب فضائها العمراني وتحصين حضورها السياسي والعسكري.

ويرجح المؤرخون أن افتتاح باب الشمس تم في أواخر القرن التاسع عشر، بأمر من السلطان مولاي الحسن الأول، الذي قاد آنذاك إصلاحات واسعة لتعزيز سلطة الدولة العلوية وتحديث بنياتها الدفاعية، فلم يكن بناء الممر الرابط بين المشور وفاس الجديد مجرد إجراء عمراني، بل كان رسالة قوة وتنظيم، تؤكد أن العاصمة العلمية لا تزال قلب الدولة النابض ومركز قرارها.

واستمدت البوابة اسمها من حصن قريب عرف بـ«قصبة الشمس»، وهو موقع عسكري صغير أعد لإيواء عناصر من القوات المسلحة، خاصة من منطقة الريف، ضمن ما كان يعرف بالقصبة العلوية.

هناك، كانت البنادق تصقل، والعيون تسهر، والمدينة تنام مطمئنة خلف أسوارها، لكن أكثر ما يثير الدهشة في باب الشمس هو تحولها المعماري، فمظهرها الحالي، بقوسه المدبب على شكل حدوة حصان، وزليجه الأزرق والأخضر الذي ينساب بتناغم مغربي أصيل، يوحي بأنها ولدت هكذا منذ البداية، إلا أن الحقيقة مختلفة؛ إذ شيدت أول مرة بأسلوب إيطالي كلاسيكي في القرن التاسع عشر، وكانت تعرف باسم "باب كامبيني"، نسبة إلى المهندس الإيطالي الذي صممها.

كانت البوابة أقرب إلى بوابات المدن الأوروبية، بملامح مستقيمة وزخرفة مقتصدة تعكس روح عصرها، ومع دخول الحماية الفرنسية في القرن العشرين، أعيد بناء البوابة ومنحت طابعا مغربيا تقليديا، في خطوة هدفت إلى طمس ما اعتبر أثرا أجنبيا وإعادة إدماجها بصريا ضمن النسيج التاريخي لفاس.

وهكذا تحولت من شاهد على نفس أوروبي إلى معلمة تحمل بصمة مغربية خالصة، في تجسيد حي لصراع صامت بين التأثيرات الوافدة والرغبة في صون الهوية.

اليوم، تقف باب الشمس كطبقات حجرية من الزمن؛ من إصلاحات سلطانية إلى هندسة إيطالية، ومن إعادة تشكيل استعمارية إلى هوية معمارية مغربية واضحة المعالم. لكن هذه الشاهدة الصامتة تعاني من ضغط حركة المرور وعبور المركبات الثقيلة، التي تترك خدوشا على جسدها وتنذر بتآكل زليجها.

باب الشمس ليست مجرد فتحة في سور، ولا معبرا عابرا بين حيين؛ إنها صفحة مفتوحة من تاريخ فاس، تروي قصة سلطان سعى إلى التنظيم، وحامية سهرت على الأمن، ومعماري أوروبي ترك بصمته، وسلطات أعادت صياغة الملامح، ومدينة لا تزال تبحث عن توازن دقيق بين الأصالة والتحديث، إنها بوابة تختصر قرنا من التحولات.

آخر الأخبار