بين هدر المال العام وضعف الخدمات.. صفقات الصحة تضع التهراوي تحت الضغط  - الجريدة 24

بين هدر المال العام وضعف الخدمات.. صفقات الصحة تضع التهراوي تحت الضغط 

الكاتب : انس شريد

17 March 2026 - 09:30
الخط :

يتواصل الجدل حول واقع المنظومة الصحية الوطنية في ظل تزايد المؤشرات التي تكشف عن اختلالات بنيوية تمس تدبير الموارد وجودة الخدمات، في وقت ترفع فيه الحكومة سقف التوقعات بشأن إصلاح القطاع وتعميم التغطية الصحية.

وبين ضغط الطلب المتزايد على المستشفيات العمومية، واستمرار الخصاص في الموارد البشرية والتجهيزات، تتعالى الأصوات المنتقدة لأداء المنظومة، وسط دعوات متزايدة إلى تعزيز الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي هذا السياق، دخل البرلمان على خط هذه التطورات من خلال توجيه سلسلة من الأسئلة الكتابية إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، همّت ملفات تتعلق بصفقات عمومية، واختلالات محتملة في تدبير مرافق صحية، إلى جانب تأخر إنجاز مشاريع مهيكلة.

ومن أبرز هذه الملفات، ما أثاره النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية، مصطفى إبراهيمي، بشأن صفقات تجهيز المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط، خاصة المتعلقة باقتناء أجهزة الجراحة الروبوتية، حيث أشار إلى أن القيمة التقديرية لهذه الصفقة تناهز 39.6 مليون درهم، في حين أن تجهيزات مماثلة، وفق معطيات السوق، لا تتجاوز في بعض الحالات 20 مليون درهم، وهو ما يطرح، حسب تعبيره، شبهة هدر المال العام ويحد من إمكانية اقتناء عدد أكبر من هذه الأجهزة بنفس الغلاف المالي.

كما لفت إبراهيمي في سؤاله الموجه إلى وزير الصحة أن تكلفة المستلزمات المرتبطة بكل عملية جراحية باستخدام هذه الروبوتات تصل إلى حوالي 35 ألف درهم للعملية الواحدة، مقابل نحو 13 ألف درهم بالنسبة لتجهيزات أخرى مماثلة، ما قد يرفع الكلفة الإجمالية للعملية الجراحية إلى ما بين 60 ألفاً و100 ألف درهم، وهو ما من شأنه أن يثقل كاهل ميزانية المستشفيات العمومية وصناديق التأمين الصحي، فضلاً عن الأعباء التي قد يتحملها المرضى.

وسجل النائب البرلماني ملاحظات بشأن طبيعة دفاتر التحملات، معتبراً أن بعض المواصفات التقنية تبدو مفصلة بشكل يتلاءم مع عروض محددة، بما قد يؤثر على مبدأ المنافسة، في وقت ينص فيه المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية على ضرورة ضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتنافسين.

وفي سياق متصل، سبق أن أثار النائب البرلماني عن فريق التقدم والاشتراكية، يوسف بيزيد، ملف تدبير الصفقات داخل مستشفى محمد الخامس بالجديدة، مشيراً إلى معطيات تتعلق بصفقات وسندات طلب تهم تجهيزات وخدمات، من بينها اقتناء كميات من الكابلات بلغت حوالي 30 ألف متر، بكلفة إجمالية قاربت 90 مليون سنتيم، إضافة إلى نحو 18 مليون سنتيم مخصصة لأشغال التركيب.

كما توقف بيزيد عند صفقة تتعلق بخدمات الإطعام تمتد لثلاث سنوات، معتبراً أن طريقة إسنادها تثير تساؤلات، خاصة في ظل معطيات تفيد بترتيب متباين للمتنافسين، إلى جانب تسجيل تكرار استفادة متعاملين بعينهم من أكثر من صفقة أو سند طلب داخل المؤسسة نفسها.

وأثار النائب ذاته أيضاً مسألة أشغال إصلاح تم الإعلان عنها خلال سنة 2024، مشيراً إلى وجود مؤشرات على عدم استكمالها بالشكل المطلوب، رغم صرف مستحقاتها المالية، خصوصاً في ما يتعلق بأعمال الصباغة والألمنيوم والسباكة والكهرباء والإنارة، وهو ما يستدعي، وفق تعبيره، التحقق من مدى مطابقة الإنجاز للمعايير المتفق عليها.

وامتد النقاش إلى الجانب المرتبط بجودة الخدمات الصحية، حيث تم تسجيل خصاص في بعض الأدوية الحيوية داخل أقسام الإنعاش، من بينها أمبولات البوتاسيوم وأدوية مدرة للبول وكورتيكويدات، إضافة إلى نقص في أقنعة الأوكسجين، ما يطرح تحديات حقيقية أمام ضمان استمرارية الخدمات العلاجية في ظروف ملائمة.

وفي جهة فاس-مكناس، أثارت النائبة البرلمانية عن حزب الأصالة والمعاصرة، إلهام الساقي، ملف تأخر استكمال أشغال عدد من المراكز الصحية الأولية، معتبرة أن هذا التأخر يحول دون تحقيق الأهداف المرجوة من برنامج تأهيل هذه المؤسسات، ويزيد من الضغط على باقي المرافق الصحية، في ظل الطلب المتزايد على الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، تساءلت الساقي عن الإجراءات والتدابير التي تعتزم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية اتخاذها من أجل التسريع باستكمال الأشغال بهذه المراكز الصحية، وضمان دخولها حيز الخدمة في أقرب الآجال، بما يحقق العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية ويحسن ظروف التكفل بالمواطنين.

كما سلط النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، طارق حنيش، الضوء على ورش الصحة النفسية، من خلال مساءلة الوزير حول مدى تقدم إعداد وإطلاق الخطة الاستراتيجية متعددة القطاعات في أفق 2030، في ظل تزايد مؤشرات الاضطرابات النفسية وما تطرحه من تحديات اجتماعية واقتصادية.

وتساءل النائب البرلماني عن مدى تقدم مسار اعتماد وإطلاق الخطة الاستراتيجية المتعددة القطاعات للصحة النفسية في أفق 2030، والجدول الزمني المحدد لتفعيلها؛ وكدا الآليات المؤسساتية المعتمدة لضمان التنسيق الفعلي بين القطاعات الحكومية المتدخلة في مجال الصحة النفسية.

وتعكس هذه الملفات، بما تتضمنه من معطيات رقمية ومؤشرات ميدانية، حجم الإكراهات التي تواجه إصلاح المنظومة الصحية، كما تطرح تساؤلات حول نجاعة تدبير الصفقات العمومية ومدى احترام مبادئ الشفافية والمنافسة، في مقابل الحاجة إلى ترشيد النفقات وضمان توجيه الموارد بشكل أمثل.

وبين رهانات التحديث وضغوط الواقع، يجد قطاع الصحة نفسه أمام اختبار حقيقي يهم قدرته على تحقيق التوازن بين جودة الخدمات وحسن تدبير المال العام، في أفق الاستجابة لانتظارات المواطنين وتعزيز الثقة في المرفق الصحي العمومي.

آخر الأخبار