فجوة التعويضات تعيد التأمين الصحي إلى قلب الجدل البرلماني
يتواصل الجدل في المغرب حول واقع المنظومة الصحية الوطنية، في سياق تتقاطع فيه رهانات تعميم التغطية الصحية مع تحديات ميدانية متراكمة، أبرزها ضعف التعويضات عن المرض واتساع الفارق بين الكلفة الحقيقية للعلاجات والتعريفة المرجعية المعتمدة لدى صناديق التأمين.
ويأتي هذا النقاش في وقت تؤكد فيه الحكومة التزامها بإصلاح القطاع، مقابل تصاعد انتقادات برلمانية وتقارير مؤسساتية ترصد اختلالات بنيوية تؤثر على ولوج المواطنين إلى خدمات صحية منصفة.
وفي هذا الإطار، أعاد النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حميد الدراق تسليط الضوء على إحدى أبرز الإشكالات المرتبطة بالتأمين الإجباري عن المرض، من خلال سؤال كتابي وجهه إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي، دعا فيه إلى ضرورة مراجعة التعريفة المرجعية الوطنية التي لم تعرف تحييناً منذ سنوات، رغم التحولات التي شهدها القطاع الصحي وارتفاع تكاليف العلاج، خاصة في القطاع الخاص.
وأكد النائب البرلماني أن الهوة بين التعريفة المرجعية المعتمدة من طرف صناديق التأمين، مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، وبين الأسعار الفعلية للخدمات الطبية، أصبحت تشكل عبئاً متزايداً على كاهل المواطنين.
مشيراً إلى أن نسبة ما يتحمله المؤمن من مصاريف، أو ما يعرف بـ"الباقي على عاتق المؤمن"، قد تتجاوز في بعض الحالات نصف التكلفة الإجمالية للعلاج، وهو ما يتعارض مع الأهداف المعلنة لمنظومة التغطية الصحية.
وأوضح أن عدداً من التعريفات المعتمدة حالياً تعود إلى سنوات بعيدة، بعضها إلى سنة 2006، ولم تعد تعكس واقع السوق الصحية، حيث قد يؤدي المريض أحياناً 300 أو 400 درهم للطبيب الاختصاصي، بينما التعريفة المرجعية محددة في 150 أو 250 درهماً فقط، مما يجعل نسبة التعويض الفعلية تقل عن 50 % في بعض الحالات، بدلاً من 70% أو 80%.
وتساءل النائب البرلماني عن الإجراءات والتدابير الاستعجالية التي تعتزم الوزارة الوصية اتخاذها لمراجعة التعريفة المرجعية الوطنية التي لم تتغير منذ سنوات، بالإضافة إلى الآجال الزمنية اللازمة لذلك.
وفي السياق ذاته، سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن نبه في أحد تقاريره إلى محدودية جاذبية نظام التأمين الإجباري عن المرض، مبرزاً أن ضعف التعريفة المرجعية المعتمدة يشكل أحد العوامل الرئيسية التي تقلص من فعاليته.
وأوضح التقرير أن العبء المالي المتبقي على عاتق المؤمنين لا يزال مرتفعاً، حيث تراوح خلال السنوات الأخيرة بين نحو 30 و37 في المئة من إجمالي التكاليف الفعلية للعلاجات، مع تسجيل استمرار هذا المنحى خلال سنة 2024.
كما أشار التقرير إلى أن هذا العبء يزداد حدة في حالة الأمراض المزمنة والمكلفة، حيث قد تصل نسبة ما يتحمله المريض إلى مستويات مرتفعة، ما يطرح تحديات إضافية أمام تحقيق العدالة الصحية وضمان استمرارية العلاج بالنسبة للفئات الهشة. ويرتبط هذا الوضع، وفق المصدر ذاته، بعدة عوامل، في مقدمتها عدم تحيين التعريفة المرجعية، وضعف اعتماد الأدوية الجنيسة، إضافة إلى محدودية مراجعة قائمة الأعمال الطبية المعوض عنها.
ولم يقف التقرير عند حدود التعويضات، بل رصد أيضاً اختلالات تتعلق بآجال معالجة ملفات العلاج، سواء فيما يخص منح الموافقة على التكفل أو صرف التعويضات، حيث تم تسجيل تجاوزات ملحوظة مقارنة بالآجال القانونية المحددة.
فقد تجاوزت مدة منح الموافقة، حسب التقرير على التكفل بالعلاج في بعض الأنظمة أكثر من ضعف الأجل القانوني المحدد في 48 ساعة، فيما عرفت ملايين الملفات المرتبطة بالتعويض عن العلاجات المتنقلة تأخيرات خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يزيد من الضغط المالي على الأسر ويؤثر على ثقة المواطنين في نجاعة النظام.
وفي ظل هذه المعطيات، يتزايد الضغط على الوزارة الوصية على القطاع من أجل اتخاذ إجراءات استعجالية لإعادة التوازن إلى منظومة التعويضات، من خلال مراجعة التعريفة المرجعية الوطنية بشكل يعكس الكلفة الحقيقية للخدمات الصحية، ويقلص الفارق بين القطاعين العام والخاص.
كما يبرز مطلب تسريع تفعيل الإصلاحات المؤسساتية المرتبطة بحكامة القطاع، وعلى رأسها إحداث الهيئة العليا للصحة، التي يعول عليها في تأطير السياسات الصحية وضبط آليات التسعير والتعويض.
وفي انتظار بلورة إجراءات عملية على أرض الواقع، يبقى ملف التعويضات عن المرض أحد أبرز التحديات التي تختبر مصداقية الإصلاحات الصحية الجارية، في ظل تطلعات واسعة لتحسين شروط العلاج وتخفيف العبء المالي عن الأسر، بما ينسجم مع أهداف الدولة الاجتماعية ويعزز الحق في الصحة كأحد الحقوق الأساسية للمواطنين.
