الشكايات تتقاطر على مكتب السكوري.. ضغط برلماني ونقابي يطوق وزارة التشغيل
تتزايد الضغوط السياسية والاجتماعية على وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، بعدما تلاحقت الشكايات والانتقادات المرتبطة بعدد من الملفات ذات الصلة بسوق الشغل، في مقدمتها ارتفاع معدلات البطالة، ومستقبل برامج الإدماج المهني، ووضعية أعوان الحراسة الخاصة بالمؤسسات الصحية.
وهي قضايا تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى محور نقاش داخل البرلمان والأوساط النقابية والحقوقية، وسط مطالب متزايدة بإجراء تقييم شامل لسياسات التشغيل المعتمدة خلال السنوات الماضية.
وأعاد استمرار ارتفاع معدل البطالة إلى 13.7 في المائة ملف التشغيل إلى صدارة النقاش العمومي، بعدما وجهت النائبة البرلمانية لبنى الصغيري، عضو فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، سؤالاً كتابياً إلى وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، طالبت فيه بالكشف عن الحصيلة الفعلية للبرامج الحكومية الرامية إلى خلق فرص الشغل، في ظل ما وصفته بالفجوة بين الالتزامات التي تضمنها البرنامج الحكومي والنتائج المحققة على أرض الواقع.
واعتبرت النائبة البرلمانية أن التعهد الحكومي بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية الحالية لم ينعكس بالشكل المنتظر على مؤشرات سوق العمل، مشيرة إلى أن المعطيات المتداولة تفيد بأن عدد مناصب الشغل الصافية المحدثة ظل بعيداً عن الهدف المعلن، وهو ما يفرض، بحسب مضمون السؤال البرلماني، الوقوف على أسباب هذا التفاوت وتقييم نجاعة البرامج التي تم إطلاقها لفائدة الباحثين عن العمل.
كما طالبت الصغيري الوزارة بتقديم توضيحات بشأن أسباب استمرار ارتفاع البطالة، رغم إطلاق عدد من المبادرات الرامية إلى تعزيز الإدماج الاقتصادي، والكشف عن التدابير التي تعتزم الحكومة اعتمادها خلال ما تبقى من عمر الولاية من أجل تحسين مؤشرات التشغيل، خاصة لفائدة الشباب والنساء وحاملي الشهادات، باعتبار الحق في الشغل أحد الحقوق الدستورية الأساسية ومؤشراً رئيسياً لقياس فعالية السياسات العمومية.
وفي موازاة النقاش البرلماني، انفجر ملف آخر زاد من حجم الضغوط الموجهة إلى الوزارة، بعدما أثارت دفاتر التحملات الجديدة الخاصة بصفقات الحراسة والأمن بالمؤسسات الصحية موجة واسعة من الاحتجاجات، إثر اعتماد شروط جديدة للتوظيف ترتبط بالمستوى الدراسي، وهو ما أدى إلى فقدان عدد من أعوان الحراسة وعاملات النظافة لمناصبهم، رغم سنوات طويلة من العمل داخل المستشفيات العمومية.
وأعاد هذا التطور إلى الواجهة أوضاع فئة ظلت لسنوات من بين أكثر الفئات هشاشة داخل سوق الشغل، حيث يرى متابعون أن العمال الذين واصلوا أداء مهامهم خلال جائحة كوفيد-19، في ظروف مهنية صعبة وبأجور محدودة، وجدوا أنفسهم اليوم أمام شروط جديدة حالت دون استمرارهم في العمل، بعدما اشترطت دفاتر التحملات الجديدة التوفر على شهادة البكالوريا أو شهادة السنة الثالثة إعدادي مرفقة بدبلوم في التكوين المهني.
وأمام هذه المستجدات، اضطرت الشركات التي فازت بالصفقات إلى تعويض عدد من المستخدمين القدامى بآخرين يستجيبون للمعايير الجديدة، وهو ما خلف حالة من القلق داخل صفوف العاملين، الذين اعتبروا أن سنوات الخبرة التي راكموها داخل المؤسسات الصحية لم تعد كافية لضمان استمرارهم في مناصبهم.
وأثار هذا الوضع ردود فعل قوية من جانب الهيئات المهنية والنقابية، حيث عبرت جمعية الاتحاد الوطني لحراس الأمن الخاص بالمغرب عن رفضها لما وصفته بإقصاء حراس راكموا تجربة طويلة في الميدان بسبب شرط المستوى الدراسي، معتبرة أن اعتماد هذا المعيار دون مراعاة الأقدمية والخبرة المهنية يهدد الاستقرار الاجتماعي لعشرات الأسر.
كما طالبت الجمعية بمراجعة دفاتر التحملات الجديدة، وإدراج الخبرة المهنية ضمن الشروط الأساسية المعتمدة في تشغيل أعوان الحراسة، معتبرة أن الحفاظ على الحقوق المكتسبة ينبغي أن يكون جزءاً من أي إصلاح يروم تحسين جودة الخدمات داخل المؤسسات الصحية.
ومن جهتها، انضمت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عبر النقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، إلى الأصوات المطالبة بمراجعة هذه الشروط، مؤكدة أن فرض مؤهل دراسي جديد على عمال يمارسون مهامهم منذ سنوات ألحق أضراراً اجتماعية ومهنية بعدد من الأسر، داعية إلى إلغاء تطبيق هذا الشرط على العاملين الحاليين، وإعادة المتضررين إلى مناصبهم، وفتح حوار مع مختلف المتدخلين لإيجاد حلول تضمن تحسين شروط العمل دون المساس بالاستقرار المهني.
وفي الوقت الذي لم تهدأ فيه تداعيات هذا الملف، عاد برنامج "إدماج" بدوره إلى واجهة النقاش، بعدما حذر عدد من النواب من إمكانية انحراف بعض آليات الإدماج المهني عن أهدافها الأصلية، في ظل مخاوف من استغلال عقود التكوين من أجل الإدماج لتوفير يد عاملة منخفضة الكلفة، بدل تحويلها إلى وسيلة لخلق فرص شغل مستقرة.
وفي هذا الإطار، وجه النائب البرلماني عبد اللطيف زعيم، عن حزب الأصالة والمعاصرة، سؤالا كتابيا إلى الوزير يونس السكوري، طالب فيه بالكشف عن التدابير الرقابية التي تعتزم الوزارة اعتمادها لضمان احترام فلسفة برنامج "إدماج" ومشروع القانون رقم 51.25 المتعلق بتوسيع الاستفادة من عقود التكوين من أجل الإدماج.
وأوضح النائب البرلماني أن الدولة تبذل جهوداً لتعزيز فرص الاندماج المهني، غير أن نجاح هذه البرامج يظل رهيناً بوجود منظومة فعالة للمراقبة والتتبع، تحول دون استغلال المتدربين أو تحويل عقود التكوين إلى بديل عن مناصب الشغل الدائمة، بما يضمن حماية حقوق المستفيدين وتحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثت من أجلها هذه البرامج.
كما سجل أن بعض الممارسات المسجلة داخل سوق الشغل تثير تساؤلات بشأن مدى احترام عدد من المقاولات لروح هذه الآليات، من خلال تعاقب متدربين على المناصب نفسها أو إسناد مهام إنتاجية دائمة لهم دون تمكينهم من الضمانات القانونية والاجتماعية التي يستفيد منها الأجراء في إطار عقود العمل العادية.
ودعا عبد اللطيف زعيم إلى تشديد آليات المراقبة واتخاذ إجراءات زجرية في حق كل مقاولة يثبت تورطها في التحايل على أهداف برنامج "إدماج"، مع ضمان تكافؤ الفرص وتأمين اندماج مهني حقيقي لفائدة الشباب الباحثين عن العمل، خاصة الفئات الهشة وحديثي التخرج.
وتضع هذه الملفات المتزامنة وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات أمام مرحلة دقيقة، حيث تتقاطع المطالب البرلمانية مع الاحتجاجات النقابية والانتظارات الاجتماعية، في وقت يزداد فيه الضغط لتقديم أجوبة عملية حول حصيلة سياسات التشغيل، وحماية مناصب الشغل، وضمان نجاعة برامج الإدماج المهني، بما يعكس قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لتحديات سوق العمل قبل إسدال الستار على الولاية الحكومية الحالية.