استثمارات المغرب تتوسع.. لكن الوظائف والثروة لا تتوزع بالقدر نفسه

الكاتب : الجريدة24

09 August 2026 - 01:00
الخط :

 

دق المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ناقوس الخطر بشأن قدرة النمو الاقتصادي بالمغرب على تحويل الاستثمارات والأوراش الكبرى إلى فرص شغل وثروة موزعة بشكل أكثر عدالة.

وأكد أن المملكة دخلت مرحلة جديدة من مسارها التنموي، لكن استمرار ضعف الاندماج المحلي وتمركز النشاط الاقتصادي في عدد محدود من الجهات يهددان بتقليص الأثر الاجتماعي للمكتسبات المسجلة خلال السنوات الأخيرة.

وأكد عبد القادر أعمارة، رئيس المجلس، خلال تقديم التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025، المرفوع إلى الملك محمد السادس، أن الرهان لم يعد مرتبطا فقط برفع معدلات الاستثمار والنمو، وإنما بقدرة الاقتصاد على إنتاج وظائف مستدامة ومؤهلة، وتعزيز حضور المقاولات المغربية في سلاسل القيمة، وضمان استفادة مختلف المناطق والفئات من ثمار التنمية.

وكشف التقرير أن ثلاث جهات فقط تستحوذ على 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، وهي الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة، مقابل 41.5 في المائة موزعة على الجهات التسع الأخرى، ما يعكس استمرار تركّز الثروة والنشاط الاقتصادي داخل أقطاب محددة.

وحذر المجلس من أن ارتفاع حجم الاستثمار والتصنيع لم يترجم بالقدر الكافي إلى وظائف، بسبب تنامي أنشطة أكثر اعتمادا على رأس المال وضعف الاندماج المحلي، وهو ما يقلص الآثار غير المباشرة للمشاريع الكبرى على المقاولات الوطنية وسوق الشغل.

ودعا التقرير إلى تغيير طبيعة الاستثمار وليس فقط حجمه، عبر توجيه جزء أكبر منه نحو القطاعات القادرة على خلق وظائف مستدامة ومؤهلة، ورفع المحتوى المحلي، وربط المقاولات المغربية بالمشاريع الكبرى وسلاسل القيمة الوطنية والدولية.

وكشف المجلس عن استمرار ما وصفه بتجزؤ النسيج الإنتاجي، حيث توجد من جهة مقاولات كبرى ومتوسطة مندمجة في سلاسل القيمة العالمية، ومن جهة أخرى أغلبية من المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة التي تواجه عراقيل مرتبطة بالتمويل والعقار وآجال الأداء والصفقات العمومية والمساطر الضريبية.

ولفت التقرير، في السياق نفسه، إلى الثقل الكبير للقطاع غير المنظم، الذي يضم نحو 2.03 مليون وحدة إنتاج غير فلاحية، ويشغل قرابة ثلث اليد العاملة غير الفلاحية، ويساهم بحوالي 13.6 في المائة من القيمة المضافة الوطنية خارج الفلاحة والإدارة العمومية، رغم محدودية إنتاجيته.

وشدد المجلس على أن استمرار هذه البنية الاقتصادية يحد من انتقال مكاسب النمو والإنتاجية بين مختلف مكونات الاقتصاد، داعيا إلى تحسين مناخ الأعمال، وتسريع إدماج الأنشطة غير المنظمة، وتقوية موقع المقاولات الصغيرة والمتوسطة داخل سلاسل القيمة.

وفي المقابل، يرى المجلس أن أوراش التحضير لمونديال 2030 يمكن أن تشكل فرصة استثنائية لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، بعدما بلغت قيمة الاستثمارات المنجزة والمبرمجة المرتبطة بهذا الاستحقاق نحو 190 مليار درهم بين 2024 و2030، أي ما يعادل 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي المسجل سنة 2024.

وتشمل هذه الاستثمارات السكك الحديدية والمطارات والملاعب والطرق والشبكات الحضرية والمرافق السياحية والاستشفائية والاتصالات، بما ينتظر أن يمنح دفعة لقطاعات البناء والأشغال العمومية والنقل واللوجستيك والسياحة والخدمات.

لكن المجلس حذر من اختزال هذا الورش في البنيات التحتية، مؤكدا أن القيمة الحقيقية للاستثمارات ستقاس بقدرتها على خلق وظائف مستدامة، وزيادة الإنتاج المحلي، وإدماج المقاولات المغربية في الصفقات العمومية وسلاسل التوريد المرتبطة بالمشاريع الكبرى.

ودعا أعمارة كذلك إلى الحفاظ على توازن المالية العمومية، والحد من مزاحمة الاستثمار العمومي للقطاع الخاص في التمويل، فضلا عن تفادي موجة ارتفاع في الأسعار قد تستمر بعد انتهاء مرحلة الأوراش المرتبطة بالاستحقاقات الكبرى.

وعلى المستوى الاجتماعي، سجل التقرير تقدما مهما في توسيع التغطية الصحية، إذ بلغت نسبة المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض نحو 88 في المائة من السكان بنهاية 2025، بما يزيد عن 32 مليون مستفيد، مقابل 42 في المائة قبل إطلاق الإصلاح.

غير أن المجلس نبه إلى أن توسيع التغطية لا يعني بالضرورة اكتمال الحماية الصحية، مطالبا بمعالجة حالات إغلاق الحقوق وتقليص النفقات التي يتحملها المؤمنون، وضمان الاستدامة المالية للأنظمة، بالتوازي مع تحسين جودة الخدمات وتوفير الأطباء والأدوية والتجهيزات.

وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى استكمال 16 مشروعا استشفائيا بطاقة تفوق 2292 سريرا، ومواصلة إنجاز سبعة مراكز استشفائية جامعية، إلى جانب تأهيل حوالي 1400 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية.

أما في مجال الدعم الاجتماعي المباشر، فقد بلغ عدد المستفيدين، إلى نهاية دجنبر 2025، حوالي 3.9 ملايين أسرة تضم أكثر من 12.5 مليون شخص، فيما تجاوزت الاعتمادات المرصودة للبرنامج منذ إطلاقه 51 مليار درهم، منها 25.6 مليار درهم خلال سنة 2025 وحدها.

وفي الملف البيئي، كشف التقرير أن المغرب رفع هدفه لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى 53 في المائة بحلول 2035، بالتوازي مع تطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر وتحلية مياه البحر ومشاريع الربط بين الأحواض المائية.

غير أن المجلس نبه إلى أن نجاح الانتقال البيئي سيظل رهينا بتطوير قدرات تخزين الكهرباء، وتحسين تدبير الموارد المائية، وتثمين المياه العادمة والنفايات، وتسريع الانتقال نحو اقتصاد دائري.

وتقود خلاصات التقرير إلى رسالة واضحة: المغرب يراكم الاستثمارات والأوراش والإصلاحات، لكن التحدي الأصعب يبدأ من قدرة هذه الدينامية على تغيير حياة المواطنين فعليا.

فرفع الاستثمار لن يكون كافيا إذا لم يتحول إلى وظائف، وتوسع المشاريع لن يحقق العدالة المجالية إذا ظلت الثروة مركزة في عدد محدود من الجهات، وتوسيع التغطية الاجتماعية لن يكتمل أثره إذا لم يواكبه تحسن ملموس في جودة الخدمات.

 

 

آخر الأخبار